مقالات

هاني الشريف يكتب: القيادة النفسية وبناء الأمان الوظيفي

هاني الشريف

حجم الخط:

في عالم المؤسسات الحديثة، لم يعد التحدي الحقيقي هو جذب الكفاءات فحسب، بل القدرة على الحفاظ عليها وتحفيزها وإطلاق طاقاتها الكامنة. وهنا يبرز مفهوم بالغ الأهمية كثيرًا ما يُساء فهمه أو يتم تجاهله: الأمان النفسي والوظيفي، بوصفه حجر الأساس لأي أداء مؤسسي مستدام.

فالاعتقاد السائد لدى بعض القيادات أن الموظف الصامت هو موظف مطيع، هو اعتقاد مضلل وخطير.
في كثير من الأحيان، الصمت ليس انضباطًا… بل خوف.
خوف من الخطأ، خوف من العقاب، خوف من التهميش أو الإقصاء، وهنا تبدأ المشكلة.
*بيئة العمل القامعة: حين يُقتل الإبداع قبل أن يولد*
بيئة العمل التي تفتقد الأمان النفسي لا تنتج موظفين مبدعين، بل موظفين حذرين، يتجنبون المبادرة، ويمارسون ما يُعرف بـ”العمل الدفاعي”.
في هذه البيئات، لا يسأل الموظف: كيف أطور؟
بل يسأل: كيف أتجنب اللوم؟
وحين يصبح الهدف هو النجاة لا الإنجاز، فإن:
•الأفكار تُدفن قبل أن تُطرح
•المبادرات تُجهض قبل أن تُجرَّب
•الانتماء يتحول إلى مجرد دوام وانصراف
وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية، والابتكار، وحتى على سمعة المؤسسة داخليًا وخارجيًا.
*ما هو الأمان النفسي؟ (وليس كما يُفهم خطأً)*
الأمان النفسي لا يعني الفوضى، ولا التسيب، ولا غياب المحاسبة.
بل يعني بيئة تسمح بالإنسانية داخل إطار الاحتراف.
الأمان النفسي الحقيقي يعني:
•أن يُسمح بالخطأ دون إذلال أو تشهير
•أن يُسمع الرأي دون خوف من العقاب أو السخرية
•أن يُناقش القرار دون تصنيف أو تشكيك في النوايا
•أن يُحترم الإنسان قبل أن يُقيّم الإنجاز
إنه الفرق بين مؤسسة ترى موظفيها أدوات تنفيذ، وأخرى تراهم شركاء تفكير.
*القيادة النفسية: من إدارة الأشخاص إلى فهم الإنسان*
القيادة النفسية لا تُدار بالعقاب، ولا تُبنى بالصوت العالي، ولا تُفرض بالخوف.
إنها قيادة تقوم على الفهم، الاحتواء، والذكاء العاطفي.
القائد النفسي يدرك أن:
•الموظف الآمن نفسيًا أكثر التزامًا
•الموظف المسموع أكثر ولاءً
•الموظف المُقدَّر أكثر عطاءً
ويدرك كذلك أن العقاب قد يحقق انضباطًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع إبداعًا، ولا يبني انتماءً، ولا يخلق قيادة مستقبلية داخل المؤسسة.
*عندما يشعر الموظف بالأمان … تتغير المعادلة*
حين يشعر الموظف بالأمان:
•يتحدث دون خوف
•يبادر دون تردد
•يتحمل المسؤولية دون تهرب
•يقدم أفضل ما لديه طوعًا لا قسرًا
وهنا تتحول العلاقة من علاقة أمر وتنفيذ إلى علاقة ثقة وتكامل، وهو التحول الجوهري الذي تصنعه المؤسسات الناجحة عن غيرها.
*الأمان الوظيفي كاستثمار استراتيجي*
المؤسسات التي تستثمر في بناء الأمان النفسي لا تخسر، بل:
•تقل فيها معدلات دوران الموظفين
•ترتفع مستويات الرضا الوظيفي
•تتحسن جودة القرارات
•تتعزز ثقافة الابتكار
لأن الموظف الذي يشعر بالأمان لا يعمل فقط من أجل الراتب، بل من أجل الفكرة، والرسالة، والكيان.
*خلاصة القول*
القيادة في عصرنا لم تعد اختبار قوة، بل اختبار وعي.
والقائد الحقيقي ليس من يفرض الصمت، بل من يصنع مساحة آمنة للكلام.
وليس من يخيف موظفيه، بل من يجعلهم يشعرون أن الخطأ مرحلة تعلم لا منصة إعدام.
فحين يشعر الموظف بالأمان …
يبدأ الإبداع.
ويولد الانتماء.
وتنهض المؤسسة من الداخل قبل أن تنافس في الخارج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى