تقارير وتحقيقات

نحو استعادة السلام النفسي في مصر.. الإنسان أولًا

رانيا لاشين

حجم الخط:
تُعد مصر واحدة من أغنى دول العالم بالمقومات الطبيعية والتاريخية والإنسانية؛ فهي تمتلك رصيدًا حضاريًا فريدًا، وموارد متنوعة، وطاقات بشرية قادرة على البناء والابتكار. وغالبًا ما يدرك هذه القيمة بوضوح كل من يخوض تجربة السفر إلى الخارج، فيكتشف أن ما تملكه مصر من خصوصية وتميز يصعب تكراره.
ورغم ذلك، تبرز على السطح إشكالية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في تراجع مستويات السلام النفسي لدى قطاع واسع من المواطنين. فالمشهد اليومي في الشارع يعكس حالة من التوتر والضغوط المستمرة، وسعيًا متواصلًا لا يخلو من القلق، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ولا يقتصر وجود الأزمات على دولة بعينها؛ فحتى الدول الكبري، تواجه تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار وأزمات الطاقة وغيرها. غير أن الفارق يكمن في قدرة بعض الدول على إدارة “المزاج العام”، وتوفير مساحات حقيقية لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، بما ينعكس إيجابًا على الاستقرار النفسي للمواطنين.
في المقابل، يعاني المواطن المصري من ضغوط يومية متراكمة؛ تبدأ من غياب تنظيم واضح لساعات العمل، وتمر بضعف تطبيق مفهوم التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، ولا تنتهي عند التعرض المستمر لتدفق الأخبار السلبية، التي تُثقل الحالة النفسية وتزيد من حدة التوتر العام.
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام كأحد أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي. إلا أن الأداء الإعلامي، في كثير من الأحيان، يظل حبيس الطابع الإخباري التقليدي، دون أن يمتد ليشمل أدوارًا توعوية وتفسيرية تساهم في طمأنة المواطن، وشرح السياقات العامة للقرارات، وتعزيز الإحساس بالمشاركة.
إن غياب هذا الدور يساهم في اتساع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ فجوة تتجلى في ضعف الفهم، وتراجع الثقة، وتآكل الإحساس بالشراكة. ومع استمرار هذه الحالة، يصبح المواطن متلقيًا للقرارات، لا شريكًا في صناعتها أو حتى فهمها، وهو ما ينعكس سلبًا على مستوى الرضا العام والاستقرار النفسي.
من هنا، فإن معالجة هذه الإشكالية لا تتطلب حلولًا معقدة بقدر ما تحتاج إلى تبني رؤية مختلفة تضع الإنسان في صدارة الأولويات. رؤية تقوم على تنظيم واضح لساعات العمل، وتفعيل حقيقي لمفهوم التوازن بين العمل والحياة، إلى جانب تطوير الخطاب الإعلامي ليصبح أكثر قربًا من المواطن، وأكثر قدرة على التفسير والاحتواء.
كما تبرز الحاجة إلى إطلاق حملات توعوية جادة، تعزز وعي المواطن بدوره، وتُطلعه على الصورة الأشمل للتحديات العالمية، بما يساهم في إعادة بناء الثقة، وترسيخ الشعور بالانتماء والمشاركة.
في النهاية، تظل حقيقة أساسية لا خلاف عليها:
الدولة ليست مجرد مشروعات أو مؤشرات اقتصادية، بل هي — في جوهرها — الإنسان.
فإذا ما تحقق للإنسان قدر من الراحة والاستقرار النفسي، أصبح أكثر قدرة على العمل والإبداع، وأكثر استعدادًا للمشاركة الفاعلة في مسيرة البناء والتنمية.
تمتلك مصر كل المقومات التي تؤهلها لتحقيق نقلة نوعية حقيقية، لكن الطريق إلى ذلك يبدأ من لحظة إدراك بسيطة وعميقة في آن واحد:
أن تهدئة الإيقاع العام، والاهتمام بالإنسان، ليس ترفًا… بل ضرورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى