فن وثقافة

نبيل عيسى… حين تتحول الكاريزما إلى سلاح تمثيل والهدوء إلى إعصار أداء في دراما رمضان 2026

حجم الخط:

في موسم رمضاني مزدحم بالنجوم والوجوه اللامعة، حيث تتصارع الشاشات على لفت الانتباه وتتنافس الأعمال على اقتناص لحظة التريند، خرج اسم واحد من بين الضجيج بهدوء لافت، ثم ما لبث أن تحوّل هذا الهدوء إلى حضور طاغٍ لا يمكن تجاهله؛ النجم نبيل عيسى، الذي لم يحتج إلى صخب أو تصريحات نارية أو استعراض مفتعل، بل اكتفى بسلاحه الأقدم والأصدق: الأداء.

رمضان 2026 لم يكن بالنسبة له مجرد موسم جديد يُضاف إلى رصيده، بل بدا كأنه نقطة تحوّل حقيقية، لحظة نضج كاملة أعلن فيها أنه لم يعد ممثلًا موهوبًا فقط، بل لاعبًا أساسيًا في معادلة الدراما المصرية، قادرًا على خطف المشهد من نجوم الصف الأول دون أن يرفع صوته، ودون أن يطلب الانتباه؛ لأن الكاميرا ببساطة تذهب إليه وحدها.

اللافت في تجربة نبيل عيسى هذا العام أن حضوره لم يعتمد على “اللقطة الكبيرة” أو المشاهد الصاخبة المعتادة، بل على التفاصيل الدقيقة التي لا يلاحظها إلا المشاهد الذكي؛ نظرة عين طويلة تحمل ألف معنى، صمت ثقيل يسبق جملة حاسمة، حركة يد صغيرة تكشف اضطراب شخصية كاملة، وكأن الرجل يؤمن بأن التمثيل الحقيقي لا يُصرخ به، بل يُهمس همسًا فيصل أقوى.

 

ومن يتابع مسيرته يدرك أن ما يحدث اليوم لم يأتِ فجأة، بل هو نتيجة تراكم سنوات من الاشتغال الصامت على النفس والأدوات، حيث اختار دائمًا الأدوار المركبة لا السهلة، والشخصيات الرمادية لا النمطية، تلك التي تمشي على الحافة بين الخير والشر، بين القوة والانكسار، وهي مناطق شائكة لا يجيدها إلا ممثل يثق في قدرته على الغوص عميقًا دون خوف.

 

في دراما رمضان هذا العام، ظهر نبيل عيسى كأنه يكتب بيانًا فنيًا خاصًا به؛ شخصية تحمل تناقضات حادة، صلابة خارجية تخفي هشاشة داخلية، قسوة تبدو أحيانًا دفاعًا عن جرح قديم، وحين يتعامل مع هذه التركيبة، لا يلجأ إلى الأداء المسرحي أو المبالغة، بل يختار الاقتصاد الشديد، فيجعلك تصدّقه حتى وأنت تختلف معه، تتعاطف معه حتى وهو يخطئ، وتنتظره في كل مشهد وكأنك تعرف أنه سيضيف شيئًا جديدًا.

 

الكاريزما هنا ليست شكلًا أو وسامة تقليدية أو حضورًا جسديًا فقط، بل طاقة كاملة؛ طريقة وقوف، نبرة صوت منخفضة لكنها واثقة، إيقاع كلام محسوب، حتى الصمت عنده له معنى، وكأن الشاشة تتسع له أكثر مما تتسع لغيره، وهذا تحديدًا ما صنع حالة نادرة: ممثل لا يسرق المشهد من زملائه، بل يرفع مستوى المشهد كله بمجرد وجوده.

 

الجمهور بدوره التقط هذه الحالة سريعًا، فتحوّلت مشاهده إلى مادة للنقاش على مواقع التواصل، واقتباسات من جمله تتردد بين المتابعين، ومقاطع يعاد تداولها باعتبارها “درسًا في التمثيل”، وهي إشارات واضحة على أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهد فقط، بل بمدى بقاء المشهد في الذاكرة.

 

وإذا كانت الدراما في السنوات الأخيرة قد انشغلت أحيانًا بالشكل على حساب المضمون، فإن نبيل عيسى أعاد التذكير بجوهر المهنة؛ أن التمثيل فعل إنساني قبل أن يكون استعراضًا تقنيًا، وأن صدق الإحساس قادر وحده على هزّ المشاهد مهما كانت الإمكانيات بسيطة، لذلك جاءت مشاهده وكأنها لحظات حياة حقيقية لا لقطات مكتوبة على الورق.

 

النقاد أيضًا وجدوا أنفسهم أمام تجربة تستحق التوقف، فالرجل قدّم نموذجًا للممثل الذي يعرف حدوده جيدًا، فلا يبالغ، ولا يستعرض، ولا يقع في فخ تكرار نفسه، بل يجدد أدواته بهدوء، ويطوّر أداءه من عمل إلى آخر، وكأنه يخوض معركة دائمة مع النسخة القديمة من نفسه، لا مع زملائه في الميدان.

 

الأجمل أن هذا النجاح لم يغيّر من صورته القريبة من الناس؛ لا يزال يحتفظ بتلك البساطة التي تجعلك تشعر أنه “واحد مننا”، وهو ما ينعكس على اختياراته الفنية، حيث يفضّل القصص التي تمس الشارع المصري الحقيقي، بشخصيات من لحم ودم، لا أبطال خارقين أو نماذج مثالية بعيدة عن الواقع.

 

يمكن القول إن رمضان 2026 كان موسم تثبيت أقدام لا موسم مجرّد حضور؛ موسم أعلن فيه نبيل عيسى أنه لم يعد مجرد اسم ضمن فريق العمل، بل قيمة مضافة لأي مشروع يدخل إليه، وأن وجوده بات ضمانة لجودة الأداء وعمق الشخصية، وهذا في حد ذاته إنجاز لا يتحقق إلا لقلة قليلة.

 

في النهاية، وبين زحام الوجوه والملصقات الدعائية والأرقام المتنافسة، بقي شيء واحد واضحًا: حين يظهر نبيل عيسى على الشاشة، يتغير إيقاع المشهد، يهدأ كل شيء من حوله، وتتركز العيون عليه تلقائيًا، كأن الكاميرا تعترف بسلطته الفنية دون اتفاق مسبق. وهكذا، ببساطة شديدة واحترافية أكبر، كتب اسمه هذا العام بحروف ثابتة في ذاكرة رمضان… لا كنجم عابر، بل كممثل حقيقي يعرف جيدًا كيف يدهشنا دون أن يتكلف، وكيف يُبهرنا فقط لأنه صادق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى