من أصغر جندي إلى أكبر قائد… نصر أكتوبر رسالة وطن وكرامة أمة

خمسةٌ وخمسون دقيقة كانت كافية لتُعيد للأمة العربية كرامتها، ولتُسقط أسطورةً طالما تغنّى بها العدو، ولتُكتب في تاريخ مصر صفحة من نور، عنوانها: "الإيمان قبل السلاح، والعقيدة قبل النصر".
إننا اليوم، وبعد مرور ٢٥ + ٢٧ = ٥٢ عامًا على نصر أكتوبر المجيد، لا نحيي مجرد معركةٍ عسكرية، بل نُجدّد عهدًا مع الله والوطن.
نُعيد إلى أذهان أبنائنا وأحفادنا أن هذا النصر لم يكن مجرد عبور قناة، بل عبور أمة من الهزيمة إلى العزة، ومن الانكسار إلى الكرامة.
من الدين تبدأ الحكاية
في لحظة الصفر من ظهر السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، لم يكن الجنود المصريون يتحركون فقط بأوامر القيادة، بل بقلوبٍ مؤمنة بقول الله تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
كانت كلمات "الله أكبر" التي انطلقت من حناجر الجنود على ضفة القناة، هي أقوى من كل المدافع، وأصدق من كل البيانات، فكانت إشارة النصر، ومفتاح التحرير.
من المجتمع نُكمل القصة
لم يكن النصر نصر الجيش وحده، بل نصر شعبٍ بأكمله:
أمٌّ ودّعت ابنها وهي تهمس في أذنه: "ارجع مرفوع الراس يا ولدي أو مت شهيد".
وفلاحٌ باع محصوله ليساهم في دعم الجيش.
وعاملٌ سهر في المصانع ليُصنع السلاح بأيدي المصريين.
وامرأةٌ صابرةٌ في بيتها، تزرع الصبر والإيمان في قلوب الأطفال.
كل هؤلاء كانوا شركاء في النصر، لأن الكرامة لا تُشترى، والعزة لا تُمنح، بل تُنتزع بالتضحية والإيمان.
من القانون نُذكّر بالحق
الحق في الدفاع عن الوطن ليس خيارًا، بل واجب قانوني ودستوري وشرعي أيضًا.
فالمادة الأولى من كرامة أي دولة تبدأ من سيادتها على أرضها، ومن حرية أبنائها في حماية ترابها.
وقد أكّد دستورنا المصري على أن الدفاع عن الوطن شرف وواجب مقدس.
إذن، من يُهين جنديًّا أو يُقلل من قيمة مؤسسات جيشنا اليوم، كمن يُهين ذاكرة وطنٍ بأكمله.
فأبطالنا لم يكتبوا النصر بالحبر، بل بدماءٍ طاهرة امتزجت برمال سيناء، فكانت وثيقة الشرف الأولى بعد القرآن الكريم في قلوب المصريين.
رمز الخلود… الجندي المجهول
لم يكن الجندي المجهول مجهولًا عند الله، ولا غائبًا عن وجدان الوطن.
هو ابن هذا الشعب الذي خرج من بيته يحمل روحه على كفه دون أن يسأل عن اسمه من سيُكتب في سجل التاريخ.
قد لا نعرف وجهه، لكننا نعرف أثره،
قد لا نحفظ اسمه، لكننا نحفظ دموع أمه، وابتسامة نصره، ورائحة ترابه في رمال سيناء.
لقد اختار أن يكون واحدًا من ملايين الأبطال الذين آمنوا أن الكرامة لا تُقاس بعدد النياشين، بل بعدد الذين عاشوا بفضل تضحياتهم.
ولهذا بُني له نصبٌ يعلو فوق الأرض، بينما اسمه محفور في السماء.
رسالة للأجيال الجديدة
يا أبناء مصر، لا تجعلوا أكتوبر مجرد تاريخٍ يُحتفل به في المدارس، بل عيشوه في قلوبكم سلوكًا ومبدأً.
تعلموا أن النصر يولد من رحم الإصرار، وأن البطولة ليست فقط في ساحات القتال، بل في كل ميدان من ميادين الحياة.
في العلم، في العمل، في الصدق، وفي حب الوطن دون انتظار مقابل.
نريد أن نحكي لأطفالنا أن أجدادهم لم يكونوا يبحثون عن شهرةٍ أو مكافأةٍ مالية، بل عن كرامة أمة ووطنٍ لا يُهان.
ونريد أن يعرف شبابنا أن الحرب لم تنتهِ، لكنها تغيّرت: من حرب السلاح إلى حرب الوعي، ومن خنادق القتال إلى ميادين البناء.
ختامًا: مصر… باقية بالحق والإيمان
سيظل السادس من أكتوبر نبراسًا في ذاكرة الأمة، ودليلًا على أن مصر لا تُهزم، وأن جيشها درع الله في الأرض.
وستبقى كلمات "الله أكبر" تتردد في سماء الوطن، ما دامت قلوب أبنائه تنبض بالإيمان والعزة والكرامة.
فلنُجدّد اليوم العهد على أن نحفظ مصر بدمائنا وأقلامنا وعقولنا، كما حفظها أبطالنا بأرواحهم.
فمن أصغر جندي وقف على حافة القناة، إلى أكبر قائد حمل راية النصر، كلهم قالوا بصوتٍ واحد:
"نموت وتحيا مصر."








