مقالات

منى صدقى تكتب : بين العفو والانتقام دروس من اليقين

حجم الخط:

قديماً، كنت أظن أن الصمت عجز، وأن الحق لا يُنتزع إلا باليد، وأن من أوجعني لا بد أن يذوق مرارة وجعي..
كنت أظن أنني حارس العدالة في أرض الله.

لكنني أبصرتُ حين آمنت، وعلمتُ أن هناك نوعاً من الرد لا يحتاج إلى ضجيج البشر، بل إلى يقين الموحدين. فليست كل معركة تستحق استنزافك، والله عز وجل يقول :
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.

هناك بشر يعيشون على الخديعة، يظنون أن صمتك “ضعف”..
وما علموا أنك أودعت مظلمتك عند قاضي السماء الذي لا يغفل ولا ينام.

لقد رأيتُ بأم عيني أولئك الذين استكبروا بظلمهم، والمغرورين بذكائهم في الأذى.. دارت بهم الدوائر، وبدأت ثمارهم الفاسدة تسقط من تلقاء نفسها؛ بلا دفعٍ، وبلا صراخ..
سقطت لأن الفساد الداخلي لا يصمد أمام ريح القدر.
تذكر دوماً قوله تعالى :

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

من كان يضحك بالباطل، بكى بالحق، ومن سقى الناس سماً، ذاق من نفس الكأس ولو بعد حين.

الانتقام الحقيقي ليس في رد الإساءة، بل في الفوز بمرضاة الله والترفع عن وحل أفعالهم. يقول النبي ﷺ: “ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً”.

العز الحقيقي في أن تمضي نقياً، وتترك الزمان يعمل بأمر ربه. من زرع الشوك لن يحصد العنب، ومن أدمى قلوب الناس، سيبكيه غدر الأيام، فالله تعالى يقول :

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.

يا صديقي، إذا ظُلمت أو خُذلت..
لا تستهلك نورك في محاربة ظلامهم. ابتعد قليلاً، خذ نفساً عميقاً، وقل: “حسبي الله ونعم الوكيل”.

الثمرة التي نخرها العفن ستسقط حتماً بحكم الجاذبية الإلهية..
وحين تسقط، ستكون أنت في مقام الرقي، هادئ البال، مرتاح الضمير، مدركاً أنك انتصرت يوم قررت أن تترك الخلق للخالق.

يا رب العالمين يا رب العرش العظيم تقبل منا دعائنا هذا :

اللهم إني استودعتك قلبي وما فيه، فاجبر كسري، وانصرني بنصرك الذي وعدت.
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، واجعلني ممن يمرّون بسلام، لا يَظلمون ولا يُظلمون، ولا يتركون في قلوب العباد إلا أثراً طيباً.

و اختم بالصلاة على سيدي و حبيبي و قرة عيني و شفيعي ….
اللهم صلِّ وسلم وبارك على صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود..
صلاةً تفتح لنا بها أبواب الرضا، وتغلق بها عنّا أبواب الردى، صلاةً تليق بجلالك وعظيم سلطانك، تُنير بها بصائرنا، وتُطهر بها سرائرنا، وتجبر بها خواطرنا.
اللهم صلِّ على مَن كان خلقه القرآن، وعلى آله وصحبه صلاةً دائمةً إلى يوم الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى