شئون دولية

مصر وليبيا.. عقيدة الدولة لا شهية الغنيمة

حجم الخط:

في لحظات السيولة الإقليمية تُختبر الدول لا بقدرتها على التقدم بل بقدرتها على التراجع حين يجب التراجع وعلى الامتناع حين يكون الامتناع هو الخيار الأصعب وفي الحالة الليبية كانت كل الشروط مهيأة لسيناريو الافتراس دولة منهكة فراغ أمني ثروات ضخمة وعلى رأسها النفط ومشهد دولي يبيح التدخل تحت عناوين متعددة

هنا تحديدًا برز الفارق بين دولة تتحرك بعقيدة وأخرى تتحرك بشهية مصر قرأت المشهد من زاوية الأمن القومي الشامل لا من زاوية الفرصة الاقتصادية فاعتبرت أن استقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من استقرارها وأن حماية الدولة الليبية مقدمة على أي حسابات قصيرة الأجل

لم يكن النفط الليبي بعيد المنال بل كان في متناول من يملك الإرادة العسكرية والغطاء السياسي لكن القرار المصري انحاز إلى مبدأ واضح لا استغلال لضعف الأشقاء ولا تحويل الثروات إلى غنائم حرب هذا ليس خطابًا أخلاقيًا بقدر ما هو تعريف دقيق لعقيدة دولة تدرك أن الفوضى إذا تم توظيفها اليوم ستعود غدًا لتلتهم الجميع

إعلان الخط الأحمر عند سرت والجفرة لم يكن استعراض قوة بل تأسيس لقاعدة ردع منضبطة هدفها منع انزلاق الصراع نحو الهلال النفطي حيث تتحول المعركة من صراع نفوذ إلى صراع على الثروة بما يهدد وحدة الدولة الليبية نفسها ويُدخل المنطقة في دوامة صراعات ممتدة

في المقابل كانت قوى أخرى تتعامل مع ليبيا بوصفها ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ والسيطرة على الموارد عبر أدوات عسكرية مباشرة أو عبر وكلاء محليين وهو ما جعل المشهد أقرب إلى سباق على الغنيمة لا إلى مسعى للاستقرار

التحرك المصري جاء متعدد المسارات ضربات دقيقة ضد بؤر الإرهاب لمنع تحول الأراضي الليبية إلى منصة تهديد إقليمي دعم مسارات إعادة الإعمار لتثبيت عناصر الدولة تنسيق سياسي وأمني مع الأطراف الفاعلة لإعادة التوازن دون الانزلاق إلى احتلال أو وصاية

هذه المقاربة أنتجت نتيجة استراتيجية الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة الليبية ومنع سقوط الهلال النفطي في قبضة الفوضى أو الهيمنة الأحادية وهو ما انعكس لاحقًا في إدراك شعبي ليبي لطبيعة الدور المصري بعيدًا عن السرديات الدعائية

اليوم حين يتصاعد الحديث عن التعاون في مجال الطاقة بين مصر وليبيا لا يُقرأ ذلك كصفقة عابرة بل كنتيجة طبيعية لمسار طويل من بناء الثقة فالدول لا تُمنح امتيازات اقتصادية مستدامة إلا حين تُثبت أولًا أنها لا تتعامل بمنطق الغنيمة

المعادلة هنا واضحة الشرعية تولد النفوذ وليس العكس وحين تختار دولة أن تقيد قدرتها بقواعد أخلاقية واستراتيجية فإنها في الحقيقة تُعظّم من قدرتها على التأثير طويل المدى

في بيئة دولية تتآكل فيها القواعد وتعلو فيها كلفة الفوضى تبدو التجربة المصرية في ليبيا نموذجًا لسياسة واقعية منضبطة تجمع بين الردع والانكفاء المحسوب بين حماية الأمن القومي واحترام سيادة الجوار

وهذا تحديدًا ما يفسر لماذا تتحول عبارات شعبية بسيطة إلى مؤشرات سياسية عميقة فحين تقول الشعوب كلمتها بعد انقضاء العاصفة فإنها لا تُجامل بل تُقيّم

الخلاصة أن ما جرى لم يكن امتناعًا عن فرصة بل اختيارًا لمسار وأن الفارق بين من يملك القدرة ومن يستحق الثقة يُصنع في لحظة القرار عندما تكون الغنيمة ممكنة ويكون الانحياز للمبدأ هو الخيار الأعلى كلفة والأبقى أثرًا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى