“مسافة السكة”.. حينما تتحول العقيدة العسكرية إلى درع دبلوماسي
في دهاليز السياسة الدولية، لا تُنطق الكلمات عبثاً، خاصة إذا جاءت من قلب القاهرة وعلى لسان رأس الدولة. لسنوات طويلة، ظل مصطلح “مسافة السكة” يتردد في الأوساط العربية، وبينما اعتبره البعض مجرد تعبير حماسي لطمأنة الأشقاء، جاءت قراءة اللواء سمير فرج — الخبير الاستراتيجي وأستاذ كواليس المواجهة — لتعيد وضع النقاط على الحروف، كاشفةً عن جبل جليد من الحسابات المعقدة والجيش “الثقيل” الذي يقف خلف هذه الكلمة.
إن الموقف المصري الذي لخصه اللواء فرج لا يقوم على “العافية” المجردة أو الاندفاع العسكري غير المحسوب، بل هو تجسيد لما يُعرف بـ “القماشة الواسعة” للدعم؛ التي تبدأ من الدعم المعلوماتي الاستخباراتي وتوفير الخبراء والذخيرة، وصولاً إلى التدخل المباشر إذا استدعى الأمن القومي العربي ذلك. وتكمن الإجابة على ميل مصر الدائم لغة العقل والدبلوماسية في دورها كـ “مايسترو” للمنطقة؛ فهي اليوم ليست مجرد طرف في صراع، بل “صمام أمان” يسعى لإطفاء اللهب قبل أن يأكل الأخضر واليابس. وما استضافة القاهرة لمباحثات سرية بين أطراف دولية وإقليمية متصارعة إلا إثبات بأن “مفتاح” الحل يمر دائماً من العاصمة المصرية، وأن الدبلوماسية هي التي توفر “الدم والفلوس” في منطقة منهكة بالحروب.
لقد وضع اللواء سمير فرج يده على الجرح حين وصف الصراع الإقليمي بأنه تصادم بين “مشروعين”: الإيراني والإسرائيلي؛ فكلاهما يسعى للتمدد، وكلاهما ينظر للمنطقة كأدوات لنفوذه، وهنا يبرز الدور المصري كـ “رمانة الميزان”؛ الدولة التي لا تبحث عن توسع، بل تحمي حدودها وتحافظ على توازن يمنع المنطقة من الانزلاق إلى هاوية المواجهة الشاملة. وتشير القراءة العسكرية للمشهد إلى أن “النفس الطويل” في الصدام الحالي قد بدأ ينفد، فالولايات المتحدة المثقلة بالهموم الاقتصادية والضغوط الانتخابية لم تعد تملك ترف “الشيكات على بياض” للمغامرات العسكرية البرية، ورغم وجود أطراف دولية قد تستفيد من بقاء المنطقة مشتعلة، إلا أن “صوت العقل” الذي تمثله القاهرة يبدو هو المخرج الوحيد المتاح.
إن “مسافة السكة” هي رسالة مزدوجة؛ طمأنة للحليف بأن مصر لا تتأخر عن إخوتها، وتحذير للخصم بأن يد مصر الممدودة بالسلام ليست عاجزة. الجيش المصري القوي هو الضامن الحقيقي لهذا التوازن، وبقدر ما تحرص القاهرة على الحوار، بقدر ما هي جاهزة لتحويل الكلمة إلى فعل يغير موازين القوى في لحظة صدق. ستظل مصر هي “الترمومتر” الذي يقيس استقرار المنطقة، وستبقى عقيدتها ثابتة: نحمي ولا نعتدي، لكننا أبداً لا نتهاون.








