مجتمعمنوعات

محمد غزال: معركة نينوى تجسيد حيّ لتحقق الوعد الإلهي وسقوط الإمبراطوريات لا يمنع ميلاد قوى جديدة تغيّر التاريخ

حجم الخط:

قال المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، إن معركة نينوى تمثل واحدة من أهم اللحظات الفاصلة في التاريخ الإنساني، ليس فقط من منظور عسكري، بل باعتبارها نموذجًا متكاملًا لتقاطع الإرادة الإلهية مع حركة التاريخ، مؤكداً أن هذه المعركة جسدت بوضوح تحقق الوعد القرآني في قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ… وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾.

وأضاف “غزال” أن الصراع بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة الفارسية الساسانية لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل صراع حضاري ممتد لقرون، شاركت فيه الشعوب والموارد بكامل طاقتها، مشيراً إلى أن لحظة سقوط القدس عام 614م مثّلت ذروة الانهيار البيزنطي، وأعطت انطباعًا شبه نهائي بانتهاء هذه الإمبراطورية.

وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن النبوءة القرآنية في سورة الروم لم تكن مجرد خطاب ديني، بل كانت إعادة صياغة للوعي السياسي والاستراتيجي في ذلك الوقت، حيث جاءت مخالفة لكل الحسابات الواقعية، وهو ما جعلها محل سخرية وتشكيك من قبل خصوم الدعوة الإسلامية، قبل أن يثبت التاريخ صحتها بشكل قاطع.

وأشار إلى أن صعود الإمبراطور هرقل مثّل نقطة تحول استراتيجية، حيث نجح في إعادة بناء الدولة البيزنطية من حالة الانهيار الكامل، من خلال إصلاحات مالية وعسكرية عميقة، إلى جانب تبني استراتيجية هجومية غير تقليدية نقلت الحرب إلى داخل العمق الفارسي، وهو ما غيّر موازين القوى بشكل جذري.

وأكد علي أن معركة نينوى عام 627م كانت لحظة الحسم التاريخي، حيث أدار هرقل المعركة بذكاء تكتيكي بالغ، مستفيدًا من طبيعة الأرض والظروف المناخية، وتمكن من تحقيق نصر ساحق بعد انهيار القيادة الفارسية ومقتل قائدها، ما أدى إلى تفكك المنظومة العسكرية الفارسية.

وأضاف أن هذا الانتصار لم يكن مجرد تفوق عسكري، بل كان إعلانًا عن تحقق النبوءة، وربطًا مباشرًا بين الحدث التاريخي والإرادة الإلهية، وهو ما أسهم في تعزيز مصداقية الرسالة الإسلامية لدى كثير من العرب آنذاك.

وأوضح أن تداعيات المعركة لم تتوقف عند حدود الانتصار، بل أدت إلى انهيار داخلي سريع في الدولة الساسانية، خاصة بعد الإطاحة بـ كسرى الثاني، وما تبع ذلك من صراعات على السلطة، وهو ما كشف عن هشاشة البنية الداخلية للإمبراطوريات حين تفقد توازنها الاستراتيجي.

وتابع قائلاً: إن الإمبراطورية البيزنطية نفسها، رغم انتصارها، خرجت من الحرب منهكة، وهو ما خلق فراغًا استراتيجيًا واسعًا في المنطقة، سرعان ما ملأته القوة الإسلامية الناشئة، التي لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل مشروع حضاري متكامل أعاد تشكيل النظام الدولي في فترة زمنية قصيرة.

وأشار إلى أن هذا التحول التاريخي يؤكد أن سقوط القوى الكبرى لا يعني نهاية الصراع، بل بداية لمرحلة جديدة تعيد فيها قوى أخرى صياغة المشهد العالمي وفق رؤى مختلفة، وهو ما حدث مع صعود الدولة الإسلامية التي أسقطت الدولة الساسانية وانتزعت أهم أقاليم البيزنطيين.

وفي سياق متصل، قال إن نصوص الجفر المنسوبة إلى علي بن أبي طالب تقدم بعدًا إضافيًا لفهم حركة التاريخ، حيث تطرح رؤية مستقبلية لأحداث آخر الزمان، يتصدرها دور المهدي كقائد يحمل تفويضًا إلهيًا لإقامة العدل وإنهاء الصراعات الكبرى.

وأوضح أن هذه النصوص، رغم طابعها الرمزي، تحمل دلالات عميقة يمكن قراءتها في إطار التحولات الكبرى في أدوات القوة، سواء كانت عسكرية أو تكنولوجية أو حتى نفسية، لافتًا إلى أن الرموز مثل الطير أو الأسلحة الخارقة قد تعكس تطورًا نوعيًا في طبيعة الصراع الإنساني.

وشدد على أن الحديث عن مواجهة المهدي لما يُسمى بـ”الروم” في هذه النصوص لا ينبغي قراءته قراءة حرفية فقط، بل باعتباره تعبيرًا عن صراع مستمر بين منظومات حضارية متباينة، مؤكداً أن النصر النهائي في هذه الرؤية يبقى مرهونًا بالإرادة الإلهية.

وأضاف أن فتح المدن الكبرى مثل القسطنطينية ورومية، كما ترد في هذه النصوص، يعكس تصورًا لمرحلة عالمية من إعادة التوازن والعدالة، حيث يمتزج البعد العسكري بالبعد الروحي، وهو ما يمثل جوهر المشروع الحضاري في الرؤية الإسلامية.

وأكد علي أن الجمع بين معركة نينوى كنموذج تاريخي تحقق فيه وعد إلهي، وبين نصوص الجفر كتصور مستقبلي، يفتح المجال لفهم أعمق لسنن التحول التاريخي، حيث تتداخل الإرادة الإلهية مع الفعل الإنساني في صناعة الأحداث الكبرى.

وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن الدرس الأهم من معركة نينوى يتمثل في أن الهزيمة ليست نهاية التاريخ، وأن الأمم القادرة على إعادة البناء يمكنها استعادة قوتها، لكن في الوقت ذاته فإن التاريخ لا يمنح الهيمنة الدائمة لأحد، بل يعيد توزيع القوة وفق سنن دقيقة، مشددًا على أن الصراع بين الحق والباطل سيظل قائمًا، وأن الكلمة الأخيرة – وفق السنن الإلهية – ستكون دائمًا لصالح الحق، ولكن عبر مسارات معقدة تتطلب وعيًا استراتيجيًا وإرادة حضارية متماسكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى