محافظات

في مسجد الشرطة رسائل الدولة بين العبادة والانضباط

حجم الخط:

أداء محافظ سوهاج صلاة الجمعة بمسجد الشرطة في مدينة ناصر لم يكن مجرد حضور بروتوكولي عابر بل مشهد يحمل دلالات سياسية وإدارية تتجاوز إطار الشعائر حين يقف المحافظ اللواء طارق راشد بين المواطنين في بيت من بيوت الله وبجوار قيادات تنفيذية ودعوية فإن الرسالة هنا مزدوجة دولة حاضرة في الشارع ومؤسسات تعمل في تناغم لا في جزر معزولة

اختيار مسجد الشرطة تحديدًا يحمل رمزية واضحة المؤسسة الشرطية تمثل ضلعًا رئيسيًا في معادلة الاستقرار وأي خطاب يُلقى من هذا المنبر يلامس بشكل مباشر مفاهيم الأمن والانضباط والالتزام بالقانون وعندما تأتي خطبة الجمعة بعنوان انتصارات العاشر من رمضان مستحضرة معركة بدر فإن الربط بين التاريخ الإسلامي والواقع المعاصر لا يكون استدعاءً عاطفيًا بقدر ما هو توظيف واعٍ لقيم الصبر والثبات والعمل المنظم في مواجهة التحديات

السياسة هنا لا تُقرأ في سطور البيان الرسمي فقط بل في السياق حضور وكيل وزارة الأوقاف والسكرتير العام المساعد يعكس تكاملًا بين التنفيذي والدعوي وهو تكامل بات ضرورة في ظل معركة الدولة ضد التطرف الفكري من جهة وضد الفوضى الإدارية من جهة أخرى الخطاب الديني المنضبط حين يتقاطع مع القرار التنفيذي الرشيد ينتج بيئة أكثر استقرارًا ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسساته

الأهم من ذلك هو لقاء المحافظ بالمواطنين عقب الصلاة هذا الجزء غالبًا ما يُختزل في جملة تقليدية عن الاستماع للمطالب لكنه في الواقع يمثل جوهر العمل السياسي المحلي المحافظ الذي يفتح قنوات تواصل مباشرة مع الأهالي يختصر مسافات البيروقراطية ويبعث برسالة مفادها أن باب الدولة ليس موصدًا وأن الإدارة ليست برجًا عاجيًا

في ظل تحديات اقتصادية وضغوط معيشية يصبح الظهور الميداني للمسؤولين ضرورة لا ترفًا المواطن لا يكتفي بالقرارات المكتوبة بل يبحث عن حضور حقيقي يشعره بأن صوته مسموع ومن هنا فإن مشهد الجمعة في سوهاج يمكن قراءته كجزء من فلسفة أوسع تقوم على إعادة ترميم جسور الثقة بين السلطة المحلية والشارع

السياسة ليست فقط في قاعات الاجتماعات ولا في البيانات الرسمية بل في تفاصيل كهذه في صلاة جامعة وخطبة تستحضر التاريخ ولقاء مباشر مع الناس هناك تُصاغ الرسائل وهناك تُختبر مصداقية المسؤول

ويبقى الرهان دائمًا على أن تتحول الرمزية إلى سياسات مستدامة وأن تُترجم الكلمات إلى أفعال لأن المواطن في النهاية لا يحاسب النوايا بل النتائج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى