مقالات
فريد عبد الوارث يكتب: مصر تُعيد رسم خريطة النفوذ من خارج المعركة

حجم الخط:
في خضم صراع أمريكي–إيراني محتدم على النفوذ والطاقة تبدو معادلة الربح والخسارة معقدة؛ فلا منتصر بلا تكلفة ولا مهزوم قادر على التعافي سريعًا وسط دمار يطال الاقتصاد والقدرات لكن وسط هذا المشهد يبرز لاعب اختار موقعًا مختلفًا: المراقبة دون انخراط و التدخل العقلاني دون تهور، و هو مصر.
أما عن أطراف الصراع أنفسهم، فالولايات المتحدة قد تحقق مكاسب تكتيكية عبر تأمين طرق الطاقة وفرض مزيد من الضغوط على خصمها، لكنها تدفع في المقابل كلفة باهظة سياسيًا واقتصاديًا مع استنزاف ممتد وتراجع صورتها كضامن للاستقرار، وعلى الجانب الآخر تواجه إيران خسائر قاسية في بنيتها الاقتصادية وقدراتها العسكرية حتى وإن نجحت في إرباك خصومها وإثبات قدرتها على الصمود؛ فالثمن الداخلي يظل الأعلى، وقد يمتد لسنوات طويلة.
وفي قلب المعادلة يتحمل الخليج كلفة مضاعفة إذ تتعرض ثرواته ومقدراته النفطية لضغوط مباشرة مع تهديد طرق التصدير وارتفاع مخاطر الاستثمار، كما أن الاعتماد على الحماية الخارجية يصبح أكثر هشاشة في ظل تغير أولويات القوى الكبرى ما يضع دوله أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بالأمن والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
هنا تتقدم مصر كحالة استثنائية؛ قوة إقليمية تحافظ على توازنها دون أن تنجر إلى أتون الصراع وهو ما يمنحها أفضلية استراتيجية نادرة هذا الموقف لم يمر دون انتباه حيث تتزايد الانتقادات والضغوط الإعلامية من أطراف إقليمية قلقة من صعود دور مصري محتمل خارج حسابات المواجهة المباشرة.
التحولات الكبرى عادة ما تطيح بالدول الهشة لكنها تفتح أبوابًا واسعة أمام الدول المستقرة القادرة على استثمار اللحظة ومع احتفاظ مصر بقدر من التماسك الداخلي والبنية التحتية المتطورة، تصبح مؤهلة لاقتناص مكاسب النفوذ والتأثير، دون أن تدفع كلفة الحرب.
اقتصاديًا… تلوح مصر كوجهة آمنة لرؤوس الأموال الهاربة من مناطق التوتر سواء من الخليج أو من الشركات العالمية الباحثة عن بيئة مستقرة كما يعزز موقعها الجغرافي وشبكاتها اللوجستية—من خطوط نقل الطاقة إلى الموانئ الحديثة—فرص تحولها إلى محور إقليمي للطاقة والتجارة خاصة مع أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز.
وفي السياق ذاته تدعم الطفرة في البنية التحتية والتوسع في المدن الجديدة و مشروعات الرقمنة ومراكز البيانات قدرة مصر على جذب استثمارات طويلة الأجل، بالتوازي مع استمرار جاذبيتها السياحية واتساع علاقاتها مع أفريقيا وأوروبا.
ورغم أن البعض يفسر الحذر المصري باعتباره بطئًا أو ترددًا فإن القراءة الأعمق تكشف عن استراتيجية واعية تُدير التوازنات بدقة مستفيدة من دروس التاريخ وتعقيدات الجغرافيا السياسية فالقاهرة تدرك أن مآلات الصراع ستعيد رسم خريطة الإقليم، وأن الاستنزاف الذي يطال أطرافه سيخلق فراغًا لن يملأه إلا من حافظ على قوته وتماسكه، وإذا استمرت مصر في هذا النهج—الحياد المدروس مع الجاهزية—فإنها لن تكون مجرد متفرج بل مرشحًا قويًا لوراثة نفوذ إقليمي يتشكل على أنقاض صراعات الآخرين.
مشهد إقليمي بالغ التعقيد برزت فيه مصر وباكستان وتركيا كنماذج للدول التي نجحت في تحييد نفسها عن الانزلاق إلى صراع طائفي ذي طابع شيعي، رغم الضغوط والتوترات المحيطة فقد اعتمدت هذه الدول على مزيج من التوازن السياسي والحكمة الدبلوماسية إلى جانب إدراك عميق لخطورة إشعال نزاعات مذهبية تهدد استقرار المنطقة بأكملها. وأسهمت سياسات الاحتواء وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية والابتعاد عن الاستقطاب الحاد، في تجنيبها تداعيات صراع كان من شأنه أن يمتد أثره إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية ليطال الأمن الإقليمي والدولي.








