مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: مصر تعيد رسم خرائط القوة وتقود معركة التوازن في أخطر لحظات الشرق الأوسط

حجم الخط:

لحظة إقليمية بالغة التعقيد تلك التي يشهدها الشرق الأوسط، بينما تتصدر مصر مشهد التوازنات مدفوعة بحراك سياسي وعسكري يعكس تحولًا نوعيًا في موقعها ودورها، فبينما تتصاعد التوترات في منطقة الخليج برزت ظاهرة لافتة تمثلت في لجوء بعض السفن إلى رفع العلم المصري أثناء عبورها مضيق هرمز في محاولة لتفادي الاستهداف وسط أجواء مشحونة هذه الظاهرة لم تأتِ من فراغ، بل تعكس إدراكًا متزايدًا بثقل القاهرة وقدرتها على نسج علاقات متوازنة خاصة في ظل تقارب ملحوظ مع طهران، أتاح للسفن المصرية التحرك بسلاسة بين موانئ روسيا والصين وصولًا إلى مصر.

هذا التحول يتزامن مع نجاح دبلوماسي مصري في تهدئة اندفاع بعض دول الخليج نحو الانخراط في تحالفات عسكرية تقودها الولايات المتحدة لفرض السيطرة على مضيق هرمز بالقوة، فقد قوبلت هذه التحركات برفض واسع حتى داخل المعسكر الغربي، ما أضعف الزخم حول هذا الطرح وأربك حسابات واشنطن.
في المقابل، تزداد مؤشرات التصعيد غموضًا خاصة مع إعلان الحرس الثوري الإيراني أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت الرياض والمنطقة الشرقية لم تنطلق من الأراضي الإيرانية، ما يفتح الباب أمام فرضيات تتحدث عن أطراف تسعى إلى إشعال مواجهة إقليمية بأي ثمن عبر جرّ دول الخليج إلى صراع مباشر مع طهران.
وسط هذا المشهد، تتحرك إسرائيل لاستثمار حالة التوتر عبر تصعيد عملياتها العسكرية في لبنان وسوريا في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة غارقة في تعقيدات المواجهة مع إيران، أما القاهرة، فتتبنى خطابًا واضحًا في اتصالاتها مع العواصم العربية مفاده أن واشنطن أشعلت فتيل الأزمة دون تنسيق وعليها أن تتحمل تبعاتها داعية في الوقت ذاته إلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد على الحماية الأمريكية، وطرح بديل يتمثل في بناء قوة عربية مستقلة.
ولم يتوقف الدور المصري عند حدود السياسة بل امتد إلى طرح مبادرات عملية من بينها تقريب وجهات النظر بين دول الخليج وإيران، وإعادة رسم مسارات نقل الطاقة عبر تنسيق ثلاثي يضم روسيا والصين بما يعزز أمن الإمدادات ويحمي طرق التجارة الدولية، وعلى رأسها مشروع “طريق الحرير” الذي يشهد تنافسًا دوليًا محتدمًا.
في الخلفية، تتعزز الشراكات الاستراتيجية لمصر مع مؤشرات على تعاون عسكري متنامٍ سواء عبر مناورات مرتقبة مع روسيا أو تدفق معدات عسكرية متطورة من الصين بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع مصادر القوة وتعزيز القدرات الدفاعية، كما تتصاعد الأحاديث عن تنسيق ثلاثي في مجال الطائرات المسيّرة قد يعيد تشكيل موازين القوى في هذا القطاع الحساس.
كل هذه التحركات تجري بالتوازي مع انخراط مصر في ملفات إقليمية شائكة من السودان إلى ليبيا، وصولًا إلى أزمة سد النهضة في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي واحتواء مصادر التهديد.
المشهد العام يوحي بأن القاهرة تستعد لمرحلة مفصلية واضعة نصب أعينها هدفًا استراتيجيًا يتمثل في تعزيز الردع وحماية الأمن القومي وسط بيئة دولية لا تعترف إلا بموازين القوة، وفي ظل هذه المعطيات تبدو مصر عازمة على ترسيخ موقعها كرقم صعب في معادلة الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى