فريد عبد الوارث يكتب: زلزال إبستين .. سقوط الأصنام وصحوة الفطرة

لم تكن الوثائق المسربة من دهاليز “جزيرة جيفري إبستين” مجرد كشفٍ لجرائم أخلاقية ارتكبتها نخبة سياسية واقتصادية عالمية بل كانت بمثابة “بيان النعي” الرسمي لمنظومة أخلاقية غربية لطالما حاولت فرض وصايتها على العالم تحت مسميات “الحرية” و”التقدم”، إننا اليوم أمام مشهد تاريخي فارق؛ حيث تتهاوى الأصنام التي صُنعت من طين الزيف، لتكشف عن وجهٍ قبيح لا يكتفي بممارسة الرذيلة، بل يسعى لـ “تقنينها” وجعلها معياراً جديداً للبشرية.
هندسة الانحلال واحتلال الوعي أخطر ما في قضية إبستين و ليس السلوك الجرمي بحد ذاته بل ذلك الترابط العضوي بين “المال، السلطة والانحراف”، لقد كشفت التسريبات عن محاولات ممنهجة لـ احتلال العقول عبر تطبيع الشذوذ وتفكيك الروابط الفطرية للإنسان!! إنهم لا يريدون مجرد ممارسة نزواتهم في الخفاء، بل يسعون لصناعة عالمٍ بلا “بوصلة أخلاقية” حيث يتم تشويه مفهوم الأسرة و تربية الطفولة، وتحويل الشذوذ من “خطيئة وفشل فطري” إلى “استحقاق حقوقي” يُفرض على الأمم والشعوب، هذا “الاستعمار الجديد” لا يغزو الأرض بالدبابات بل يغزو العقول بالصورة والكلمة والتشريع، محاولاً انتزاع الإنسان من جذوره الإلهية ليصبح مجرد كائن مادي منقاد بلا هوية تحميه أو قيم تمنعه!!
الأخلاق العربية ” الإسلامية و المسيحية “هي الحصن الأخير في ظل هذا الطوفان من التردي، ليس كخيار ديني فحسب بل كضرورة وجودية لإنقاذ البشرية، إن ما يسمونه في الغرب ” قيوداً ” هو في جوهر موروثنا “سياجٌ للكرامة” فبينما يغرقون في مستنقع “إبستين” وما شابهه، تقف الشخصية العربية المتدينة مستندةً إلى إرثٍ يقدس العفة و يعلي من شأن الشرف ويرى في “الغيرة” نبلاً لا تخلفاً.
إن التمسك بـ الفطرة السوية التي جاءت بها الأديان والتي تتماهى مع أصالة العربي وترفعه عن الصغائر، هي الدرع الحقيقي الذي يمنع ذوبان مجتمعاتنا في هذه الفوضى الأخلاقية، فنحن أمةٌ ترى في المرأة “درةً مصونة” لا سلعةً تُباع في جزر الأثرياء و نرى في الطفولة “براءةً مقدسة” لا مجالاً للعبث و الانتهاك.
المواجهة بالقيم لا بالانكفاء هي الرد الأمثل على محاولات ” احتلال العقول” ونشر الشذوذ و ليس بالانزواء، بل بالاعتزاز العلني بمنظومتنا الأخلاقية، علينا أن ندرك أن “العجز القيمي” الذي يعانيه الغرب اليوم هو فرصة للشرق العربي ليقدم “النموذج البديل”، فإن العالم المنهك من عبثية المادة وتيه الغرائز، يتطلع إلى نظامٍ يعيد للإنسان إنسانيته، و للروح قدسيتها وللعقل وقاره.
إن الحضارة التي تضحي بأخلاقها في سبيل شهواتها هي حضارة تحمل بذور فنائها في أحشائها؛ أما الأمة التي تعتصم بحبل قيمها فهي الباقية وإن تكالب عليها العالم.”
و ختاماً.. فإن زلزال إبستين قد أسقط الأقنعة عن وجوهٍ كانت تدعي قيادة العالم نحو النور فإذا بها تغرق في ظلماتٍ بعضها فوق بعض وفي هذا المنعطف، يبقى الرهان على “الوعي العربي” المتمسك بدينه وأصالته ليكون الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات مسخ الهوية و تدنيس الفطرة، إنها معركة بين “الانحلال والارتقاء”، ولنا في قيمنا ما يضمن لنا النصر والسيا
دة الأخلاقية.








