مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: العاشر من رمضان… حين نهضت الأمة من رماد الانكسار

حجم الخط:

ليست كلُّ الأيام سواء فبعضها يمرّ عابرًا وبعضها يتحوّل إلى قدرٍ يصوغ ملامح أمة بأكملها، ويأتي العاشر من رمضان في تاريخ مصر يومًا تتجلّى فيه معاني الكبرياء الوطني، حين انتفضت الإرادة المصرية وعبرت من ضفة الألم إلى ضفة المجد لتسطر ملحمةً غيّرت وجه التاريخ.

في ذلك اليوم، لم يكن الصوم عائقًا ولا حرارة الرمال حاجزًا ولا تحصينات العدو سدًّا منيعًا، كانت العزيمة أقوى من السلاح والإيمان أعمق من الخوف والإرادة أصلب من الخرسانة، وعلى ضفاف قناة السويس انهارت أسطورة التفوق العسكري لـ إسرائيل وسقط وهم «الجيش الذي لا يُقهَر» تحت أقدام جنودٍ حملوا أرواحهم على أكفّهم ومضوا لا يبتغون إلا كرامة وطنهم.

كان العاشر من رمضان أكثر من معركة، كان إعلانًا بأن الهزيمة ليست نهاية المطاف وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة لا تُكسَر كان صرخةَ أمةٍ استعادت صوتها ورسالةً للعالم بأن مصر إذا عزمت فعلت، وإذا قررت أن تنهض نهضت بكل ما فيها من قوة وعزم.

الاحتفال… ليس طقسًا بل عهدًا متجددًا

إن الاحتفال بذكرى العاشر من رمضان ليس مجرد استدعاء لماضٍ مجيد ولا تكرارًا لخطبٍ محفوظة بل هو تجديدٌ للعهد بين الأجيال، هو تأكيدٌ أن الدماء التي روت تراب الوطن لم تُسفك عبثًا، وأن الراية التي ارتفعت يوم النصر يجب أن تظل عالية في ضمائر أبنائه.

الأمم التي تُحيي ذاكرتها الوطنية تحفظ بوصلتها فلا تتيه في عواصف التحديات، أما التي تنسى فتفقد تدريجيًا إحساسها بذاتها ومن هنا، فإن العاشر من رمضان ليس مجرد صفحة في كتاب التاريخ بل هو مدرسةٌ في الصبر والانضباط والتخطيط والعمل الجماعي والثقة بالله ثم بالنفس.

في عقول الصغار… يُصنع المستقبل

إن أعظم تكريم لذكرى النصر لا يكون في الميادين وحدها بل في عقول الأطفال وقلوب الشباب فهؤلاء هم الحراس الجدد للهوية وهم الامتداد الطبيعي لأولئك الذين عبروا القناة ورفعوا العلم.

حين نغرس في وجدان الطفل قصة الجندي الذي صام وقاتل وصبر وانتصر فإننا نزرع فيه يقينًا بأن التضحية قيمة، وأن الوطن أغلى من كل اعتبار، وحين نشرح للشاب كيف تحوّل الإعداد الدقيق والتخطيط المحكم إلى إنجاز تاريخي فإننا نعلّمه أن النجاح في حياته الدراسية والعملية يبدأ بالانضباط والإصرار ذاتهما.

إن زرع المناسبات الوطنية في أذهان النشء ليس ترفًا تربويًا بل هو ضرورة استراتيجية، فالشاب الذي يعرف تاريخه جيدًا لا يُستدرج إلى اليأس ولا يُخدع بحملات التشكيك ولا يفقد ثقته بقدرة وطنه على تجاوز الأزمات.

من ملحمة السلاح إلى ملحمة البناء

لقد كان العاشر من رمضان معركة استرداد الأرض أما اليوم فالمعركة معركة بناءٍ وتقدمٍ وتنمية، وروح النصر نفسها هي التي يجب أن تسري في ميادين العمل والعلم والإبداع.

إن الجندي الذي حطم خط الدفاع بالسلاح هو نفسه الرمز الذي يلهم المهندس ليبني والطبيب ليعالج و المعلم ليُنشئ جيلاً واعيًا، فالوطن لا يُصان بالحدود فقط بل بالعقول المتقدة والضمائر الحية والسواعد المخلصة.

ذاكرةٌ بحجم وطن

سيظل العاشر من رمضان شاهدًا على أن مصر حين تُختبر، تنجح وحين تُستفز كرامتها، تثبت أنها أكبر من التحدي إنه يومٌ لا يشيخ لأن معانيه متجددة في كل زمن: الإيمان، التضحية، الوحدة، والانتصار.

فلنُحيِ هذه الذكرى كما يليق بها: وعيًا في المدارس وحوارًا في البيوت وإبداعًا في الإعلام وقدوةً في السلوك، ولنجعل من كل طفلٍ مصريٍّ حارسًا لذاكرة وطنه ومن كل شابٍّ مشروعَ نصرٍ جديد.

فالأمم العظيمة لا تعيش على أمجادها فحسب، بل تحوّلها إلى طاقةٍ دافعة نحو المستقبل… والعاشر من رمضان سيبقى ما بقيت مصر، عنوانًا للعزة وبرهانًا على أن الإرادة إذا صدقت صنعت المعجزات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى