مقالات
فريد عبد الوارث يكتب: افتح يا “هرمز “

حجم الخط:
في الشرق الأوسط حيث تختلط رائحة النفط بنكهة السياسة وحيث لا تمر السفن فقط بل تمر معها حسابات الربح والخسارة، يقف مضيق هرمز كأنه باب أسطوري يردد الجميع أمامه: “افتح يا سمسم”… أو بالأحرى: افتح يا هرمز.
لكن المفارقة أن من يملك كلمة السر اليوم لا يفتح الباب مجانًا فإيران، التي تجيد لعبة الأعصاب بطول نَفَس لم تكن يومًا مجرد دولة تطل على الخليج بل لاعب يعرف جيدًا كيف يحوّل الجغرافيا إلى ورقة ضغط والتوتر إلى رصيد تفاوضي كل تصعيد—ولو كان محسوبًا بدقة—يُترجم إلى مكاسب غير مباشرة: ارتفاع في أسعار النفط تعزيز لمكانتها الإقليمية ورسائل واضحة للعالم بأنها ليست رقمًا يمكن تجاوزه.
وبينما تبدو الصورة كأنها مواجهة، فإن الحقيقة أقرب إلى “بازار سياسي” كبير، تُرفع فيه الأسعار مع كل تهديد وتُخفض مع كل تهدئة!! وإيران هنا ليست في عجلة من أمرها؛ فهي تعرف أن الزمن—في مثل هذه الملفات—حليف من يجيد الانتظار.
على الجانب الآخر تقف دول الخليج العربي في معادلة أكثر تعقيدًا فاقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفق الطاقة وأسواق لا تحب المفاجآت و استثمارات ترتجف من أي خبر عاجل ومع كل توتر في المضيق ترتفع كلفة التأمين وتتزايد المخاطر ويبدأ القلق في التسرب إلى حسابات الأرباح قبل أن يصل إلى نشرات الأخبار.
الخسارة هنا ليست دائمًا مباشرة، لكنها تراكمية… مثل صداع خفيف لا يقتل لكنه لا يتركك تعمل براحة فكل اضطراب— حتى لو لم يُغلق المضيق فعليًا—كفيل بأن يضعف الثقة ويضغط على خطط التنمية ويجعل المنطقة تبدو وكأنها تعيش على حافة الاحتمالات.
وبين هذا وذاك تظهر مصر—لا كلاعب يصرخ بل كدولة تُحسن التوقيت فلا هي اندفعت إلى صخب الصراع ولا اختارت العزلة بل سلكت طريقًا أكثر صعوبة: الحياد الذكي.
مصر تدرك أن القوة ليست فقط في استعراض العضلات بل في معرفة متى تُستخدم ومتى تُحفظ لذلك حافظت على توازن دقيق؛ علاقات مفتوحة، قراءة واعية للمشهد، واستعداد دائم دون تهور وكأنها تقول للجميع: “لسنا خارج اللعبة… لكننا لا نلعب وفق قواعد الآخرين”.
هذه الرؤية منحت القاهرة ميزة نادرة: أن تكون حاضرة دون أن تُستنزف ومؤثرة دون أن تُستدرج ففي عالم يميل إلى الاستقطاب الحاد يصبح الاتزان عملة نادرة ومصر—بحكم تاريخها وثقلها—تعرف كيف تستثمر هذه العملة جيدًا.
وفي النهاية يظل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه اختبار يومي لذكاء الدول من يربح؟ ليس بالضرورة من يهدد أكثر، بل من يفهم قواعد اللعبة أفضل.
وحتى إشعار آخر سيظل الصوت يتردد في الخلفية: “افتح يا هرمز”… ولكن لمن يملك المفتاح؟




