عنبر العقلاء ..

( أأنت كاتب رومانسي ؟!! ) ..
أتاني هذا السؤال من خلفي بغتة بصوت أنثوي هاديء وأنا أسير في الشارع المزدحم فالتفت لأرى وجه السائلة وأخذتني المفاجأة فقد كانت سيدة ناضجة تعدت الخمسين من العمر تقريبا يبدو عليها سمت الوقار والتهذيب حتى أنني أجبتها بصوت متردد : نعم أنا أحاول الكتابة في هذا اللون الجميل من ألوان الأدب.
ولكن هل تعرفينني ؟
أجابت : نعم قرأت لك خاطرة رومانسية في أحد الكتب الجماعية كانت تحمل اسم ( أطياف عينيها ). واتابع صفحتك الشخصية على الفيس بوك.
أجبتها بابتسامة ودود : تشرفت بلقائك سيدتي.
سألتني في سرعة : ما رأيك ككاتب ينقل أحساسيس ونبض المجتمع في جنون الشباب هذه الأيام وما يفعلونه على منصات التواصل الإجتماعي ؟!
أجبتها مفكرا بعمق في مغزى السؤال وعلاقته بنوعية الكتابة الرومانسية : التربية في البيوت وأنظمة التعليم ورفقاء الطريق هي من يصنع أخلاق الشباب ويضعها في خانة العقلانية أو الجنون.
قالت وعلامات الاقتناع بإجابتي تبدو عليها : أصبت.. تقبل احترامي.. كنت أتمنى أن يطول الحديث أكثر ولكن لدي موعد هام لإجراء فحص طبي عاجل.
شكرتها بنفس الإبتسامة الودود وأنا أحادث نفسي : ترى ما الذي جعلها تسأل هذا السؤال تحديدا ؟!
ولوهلة أطلقت العنان لأفكاري كعادتي كلما واجهت أمرا مغايرا للمألوف وقررت سبر أغوار هذا الموضوع الشائك بالحديث مع جدي صاحب الثمانون عاما ..
وسألته فور ولوجي لمكتبه العتيق : جدي الحبيب كيف يكون الإنسان عاقلا وحكيماً ؟
أجابني مبتسماً : نعمة العقل واحدة من أسمى النعم التي منحها الله عز وجل للبشر والحرص على صداقة العقلاء وذوي الحكمة من الحكمة يا حفيدي النجيب.
وقديما قالوا ( قل لي من تصاحب أقل لك من أنت ).
ولكن عن أي عقل نتحدث ؟
المجانين والمصابون بالأمراض النفسية لديهم عقول أيضا ..
والفاسدون والمخربون في كل زمان كذلك ..
تحتاج إذن الى تصنيف وإعادة تأهيل معارفك حتى لا يصيبك ما أصابهم ..
اختلف مع صديقك في الرأي كما تشاء ولكن لا تكرهه لذاته لأن هذا سمت العقلاء..
الفكر الراقي واتباع اساليب الترغيب والتعليم هو ديدنهم ..
التسرع في إصدار الأحكام وعدم الاستماع لنهاية حوار المتكلم ظلم له ..
كثرة الكلام فيما لا فائدة فيه ولا طائل من ورائه ضياع للوقت والجهد وهو عيب كبير لا يصح أن يتصف به العقلاء في أي زمن وأي وطن ..
اترك الجدال والمراء والأحاديث العقيمة التى لا تضيف لحياتك جديدا ..
الله خلق لنا أذنان وفم واحد فما دلالة ذلك يا حفيدي العزيز ؟
بالطبع لأن نسمع أكثر ثم نرتب أفكارنا ثم نتكلم فتقل الأخطاء لأبعد مدى ونعطي العقل مساحة كبيرة لاتخاذ القرار المناسب ..
والصائب أيضا..
لنكن مسئولين عن كلمتنا وأحكامنا على الناس..
الوفاء والشجاعة والصدق والأمانة والمروءة والشهامة والانصاف والشرف في الخصومة هي أبرز صفات العقلاء وأصحاب الضمائر والحكماء في هذا العالم.
لذلك أنصحك دوما بالتمايز ..
وأن تراقب الطريق الذي تسير فيه وتكن كالسيف المستقيم لا يميل للأهواء والنزوات ولا يركن للضعف والهوان..
وأن تجعل لنفسك قائمة بالعقلاء من حولك والحكماء أيضا إن وجدوا ..
لا تصاحب إلا ذو عقل راشد وبصيرة نافذة وابتعد عن الحمقى ونافثي نيران الحقد والحسد والفتنة في القلوب والمشائين بالغيبة والنميمة..
ابتعد عن أهل الضمائر الخربة ودعاة القطيعة والجعجعة الفارغة ..
نظف قائمة الأصدقاء لديك أولا بأول واجعلها حكرا على من تثق فيهم وفي عقلهم وحكمتهم
ولا تستمع إلا من خبير محنك معلوم الصلاح ..
دع مجانين العقول والمخربين جانبا وتحاشاهم حتى لا يجرفونك في أوديتهم المهلكة ويلقون بك في نيران لا تبقي ولا تذر ..
التجارب يا ولدي هي من تصنع العقل متى أراد صاحبه ذلك ..
المحن والخطوب التي يرسلها الله لك كهدايا رائعة لتتعلم منها وتعلمها من هم دونك هي من تربي فيك الحكمة ..
الابتلاء والمرض لهم فضل عظيم في شعورك بالناس وتفقدك لنعم الله عليك ومحو لخطاياك وزيادة في ميزان حسناتك لأن الله تعالى جعل المرض طهور وتمحيص للمؤمنين..
يجب أن يكون لديك مجموعة من العقلاء من زملاء وأصدقاء تحتمي بهم وبحكمتهم وتعيش معهم ليل نهار وكأنكم تحيون في عنبر خاص بكم في مستشفى الحياة لتحتموا جميعا من الأوبئة والأمراض التي يجلبها غيركم بقصد أو بدون ..
أصابت جدي نوبة من السعال الطويل ولم أشأ إرهاقه بتكملة الإجابة فقصدت مكتبي وجلست أفكر فيما سمعت وأخرجت ملفا جديدا أحمر اللون وبعض الأوراق وكتبت عنوانا بارزا على غلافه المميز ..
ملف ( عنبر العقلاء ).








