منوعات

على أطلالِ المجدِ العربي… تمدّدِ النفوذِ الإيراني وصرخةِ أمةٍ في زمنِ الانكسار

حجم الخط:

في لحظةٍ عربيةٍ مثقلةٍ بالغبار والدموع يبدو المشهد وكأنّه مرآةٌ مكسورة تعكس شتاتًا سياسيًا وأمنيًا طال أمده، تمتدّ ظلال التوتر من الخليج إلى المتوسط و تتصاعد الأسئلة الثقيلة حول ما آل إليه حال المنطقة، في ظلّ ما يصفه كثيرون بالتمدّد والنفوذ الذي تمارسه إيران في عدد من العواصم العربية عبر أدوات سياسية وعسكرية غيّرت موازين القوى وأرهقت المجتمعات المنهكة أصلًا من الحروب والانقسامات.

لم تعد خرائط النفوذ خفية، بل صارت جزءًا من حديث الشارع العربي؛ من بغداد إلى بيروت ومن دمشق إلى صنعاء حيث تتشابك المصالح الإقليمية و تتصادم المشاريع الكبرى فوق أرضٍ عربية دفعت أثمانًا باهظة، وبينما تتسع دائرة الصراعات بالوكالة يشعر المواطن العربي بأن وطنه أصبح ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات، وأن القرار الوطني لم يعد خالصًا كما كان يُرجى.

 

وعند استدعاء الذاكرة، يعود كثيرون إلى زمنٍ كانت فيه العراق تُقدَّم بوصفها قوةً إقليميةً وازنة، ذات جيشٍ قويّ وصوتٍ عالٍ في معادلات المنطقة خصوصًا في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، آنذاك، كان ميزان الردع مختلفًا و كانت الحسابات الإقليمية تُجرى بأوراقٍ متوازنة إلى حدّ بعيد و لا يعني ذلك تجاهل ما شهده ذلك العهد من مآسٍ داخلية وحروبٍ مدمّرة لكنّ المقارنة التي يستحضرها البعض تنبع من شعورٍ عام بأن فراغ القوة الذي تلا سقوط بغداد فتح أبوابًا واسعة أمام تدخلات خارجية أعادت تشكيل المشهد برمّته.

 

لقد شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ المنطقة وأعاد رسم حدود النفوذ بطريقة دراماتيكية ومع دخول الولايات المتحدة إلى قلب المعادلة العراقية تهاوت مؤسسات الدولة وبرزت قوى جديدة، بعضها مرتبط بطهران لتملأ الفراغ، وهنا بدأت مرحلة مختلفة، اتسمت بتعقيدٍ طائفي وسياسي انعكس أثره على كامل الإقليم.

 

وفي موازاة ذلك، تصاعد التوتر بين إيران من جهة وخصومها الإقليميين والدوليين من جهة أخرى وفي مقدمتهم إسرائيل الضربات المتبادلة، سواء كانت مباشرة أو عبر وكلاء، جعلت من الأراضي العربية مسرحًا لصراعٍ يتجاوز حدودها الوطنية، سوريا على سبيل المثال تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للرسائل العسكرية، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من أرواحهم وأرزاقهم.

 

غير أنّ الحديث عن “تدمير إيران” في حال اندلاع مواجهة واسعة بينها وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل يفتح بابًا آخر من القلق فإيران ليست جزيرةً معزولة، بل دولة ذات عمقٍ سكانيّ وجغرافيّ واستراتيجي، وأي حرب شاملة ضدها لن تكون نزهة عسكرية بل زلزالًا إقليميًا قد تمتدّ ارتداداته إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية والعواصم العربية الهشّة أصلًا. إنّ انهيار دولة بحجم إيران – إن حدث – لن يعني بالضرورة استقرارًا تلقائيًا للمنطقة بل ربما فوضى أكبر وتدفقات لجوء و تصاعدًا في النزعات المتطرفة.

 

هنا تتكاثف المأساة: بين نفوذٍ إيرانيّ يثير حساسية ورفضًا في عدد من الدول العربية، وبين سيناريو حربٍ كبرى قد تأتي على ما تبقّى من استقرارٍ هشّ، وبين هذا وذاك، يقف المواطن العربي حائرًا، يتساءل: أين المشروع العربي الجامع؟ وأين القدرة على صياغة توازنٍ ذاتيّ يحمي العواصم من أن تكون ساحات صراع للآخرين؟

 

اللغة اليوم لغة رثاء؛ رثاءٌ لعالمٍ عربيّ كان يحلم بوحدة القرار وقوة الموقف، فإذا به يتشظّى بين محاور متناحرة. رثاءٌ لمدنٍ كانت تنبض بالحياة فأضحت تُذكر في نشرات الأخبار مقرونةً بالانفجارات والاغتيالات و العقوبات ورثاءٌ لجيلٍ نشأ على أمل النهضة فوجد نفسه في زمن الانقسامات الحادة والاستقطاب الإقليمي.

 

إن المقارنة بين الأمس واليوم ليست حنينًا ساذجًا إلى الماضي، بل صرخة ألمٍ على حاضرٍ مرتبك ففي غياب توازنات عربية قوية، تتقدّم المشاريع الإقليمية والدولية لتملأ الفراغ وفي ظلّ استمرار الصراع بين القوى الكبرى، تبقى المنطقة معلّقة بين احتمالات التصعيد والانفجار.

 

ربما آن الأوان لإعادة التفكير في معادلة القوة والضعف، لا بمنطق الثأر والحروب بل بمنطق بناء الدولة الوطنية القادرة، و المؤسسات الجامعة، والتحالفات القائمة على المصالح المتبادلة لا التبعية فالتاريخ علّمنا أن تدمير الدول لا يبني أوطانًا، وأن انهيار قوةٍ إقليمية لا يعني بالضرورة ازدهار الآخرين.

 

وإلى أن تتبلور رؤية عربية أكثر تماسكًا سيظلّ المشهد محاطًا بضباب الحزن وسيبقى السؤال معلقًا في فضاء المنطقة: هل نتعلّم من مآسي الأمس لننقذ ما تبقّى من الغد، أم نواصل السير في دروبٍ أثبتت الأيام أنها لا تقود إلا إلى مزيدٍ من الألم؟

 

وسط ركام الانهيارات التي عصفت بعددٍ من الدول العربية، برزت مصر بوصفها دولةً حافظت على تماسك مؤسساتها وقدرتها على الصمود في وجه العواصف، فعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية المعقّدة، ظلّ الجيش المصري ركيزة استقرار داخلي، وحافظت الدولة على حدٍّ أدنى من التوازن في محيطٍ مضطرب وفي زمنٍ تهاوت فيه جيوش وتفككت عواصم، بدت القاهرة كأنها تمسك بخيطٍ رفيع يمنع سقوط المنطقة في فراغٍ أشدّ ظلمة، ليست الصورة مثالية ولا خالية من الأزمات، لكنّ بقاء الدولة المصرية متماسكة في قلب الإقليم منح كثيرين شعورًا بأن ثمة عمودًا ما يزال قائمًا في بيتٍ عربيٍّ تتصدع جدرانه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى