مقالات
عبدالحى عطوان يكتب : امرأة تقاتل وحدها…أحذية بالية وشتاء قاسٍ

حجم الخط:
ليست حكاية عابرة، ولا مشهدًا من نسج الخيال، بل شهادة حية على واقع اجتماعي يعيشه آلاف المنسيين خلف الأبواب المغلقة، حيث يصبح الفقر امتحانًا يوميًا، والصمت سياسة، والانتظار قدرًا مؤجلًا.
جلست تلك الأم خلف بابها الخشبي الواهن،
بابٌ من أعواد النخيل، سُدّت ثقوبه بأوراق الجرائد،لا بحثًا عن الدفء، بل اتقاءً لريحٍ تعرف طريقها إلى العظام.لا تملك من الدنيا سوى غرفة واحدة،مبنية بالطوب اللبن،
تقف على أطراف القرية كأنها خارج الجغرافيا وخارج الاهتمام.
كوّرت جسدها النحيل،واحتمت به من برد الليل،وضعت يديها تحت رأسها،
وتركت التفكير يأخذ مداه…
همٌّ فوق هم،وليلة تشبه سابقتها.
مصاريف المدارس ،والشتاء قادم بلا رحمة،
وهذا العام ليس كسابقيه؛فالأيام لم تعد تحمل سوى غربة المكان،وجفاء البشر،
وقسوة الاحتياج.هي لا تملك شيئًا…
حتى الاطمئنان.
سماح،الابنة الوحيدة لرجل غادر الحياة كما عاشها:خفيفًا، بلا ميراث، بلا مسكن،
كان «على باب الله».لم تعرف طفولة البنات،
كبرت قبل أوانها، وعملت” سريحة ” باليومية عند خلق الله، تتعلم القسوة قبل أن تتعلم الحلم.وحين نضجت أنوثتها،سُلّمت لأول رجل طرق الباب،وكأن الزواج خلاص من عبء ثقيل.لم يكن غنيًا، ولا مستقرًا،
كان أيضاً ارزقيًا يطارد قوت يومه.
أنجبت ثلاثة أطفال،ثم ضاق به الحال،
فغادر بلا وداع،بلا سؤال،بلا أثر،
كأنه سقط فجأة من سجل الأحياء.
نظرت سماح إلى أطفالها،
أجساد صغيرة تلتصق ببعضها
هربًا من الجوع،ومن البرد،
ومن غياب الغطاء.تألمت عمراً،
لكنها لم تمد يدها يومًا،
فالسؤال عندها وجع مضاعف.
اعياها التفكير طويلًا وهرب النعاس من جغون عينيها فقد باتت لا تعرف الليل من النهار: كيف تدبّر الغد؟
في الصباح،حملت أحذية بالية وشنطًا أنهكها الزمن،وسارت باقدامها إلى المدينة،علّها تصمد عامًا دراسيًا آخر.وقفت امام الإسكافي العجوز،نظارة سميكة،وخيط أسود،وإبرة تعرف التعب،قلّب الأشياء وقال ببرود:«لا تصلح».
توسّلت الكلمات،وسبق الدمع الصوت:
«لا أملك ثمن البديل».صمت الرجل،
وتمتم بما لا يُسمع،وخرجت سماح بخطوات أثقل من قدرتها على أمل العودة بعد الاصلاح.
جالت بعينيها بين محال فاخرة،
طعام وفير،وعالم لا يشبهها.وقبل العودة،
اشترت بالجنيهات القليلة المتبقية
بضع أقراص طعمية،لتسد الجوع،
أو لترى فرحًا عابرًا في عيون أطفالها.
عاد الليل،وعادت سماح خلف الباب ذاته،
وعاد السؤال ذاته:وماذا بعد؟
قررت أن تطرق باب جمعية،
أوراق، مستندات، أمل مؤجل،
لعل أحدًا يسمع.وبرغم ضآلة حلمها فهى تعرف الجواب مسبقا فقد طرقت باب الكثير
منهم فما هم الا تجار بوجع الناس
وختاماً…قصة سماح ليست استثناءً،
وليست حالة فردية،
بل وجه واحد من وجوه كثيرة،
لسيدات يعشن بيننا:
مطلقات، أرامل، منسيات،
يحملن أثقال الحياة بصمت،
ولكل واحدة منهن ألف حكاية لا تُروى.
وفى النهاية ..لابد أن نسأل — بلا مواربة —
أين التضامن؟
أين رجال الأعمال؟
أين الجمعيات؟
أين التشريعات المنصفة؟
فهذا الوجع
ليس صدقة…
هذا حق.








