تقارير وتحقيقات
سماسرة الدواء “النواقص”.. حين تتحول دماء المرضى إلى أرقام في محافظ المحتالين!

حجم الخط:
في الوقت الذي يصارع فيه مريضٌ من أجل أنفاسه، أو يذرف فيه أبٌ دموع العجز أمام طفله الذي ينهشه الألم، تظهر في العتمة “خفافيش” البشر؛ مافيا لا تعرف ديناً ولا ذمة، اتخذت من منصات التواصل الاجتماعي ساحةً لنصب شباكها حول ذوي المرضى، مستغلين ندرة بعض الأدوية في الأسواق ليبيعوا لهم “الوهم” بأثمانٍ لا تُقدّر بمال، بل تُدفع من لحم الحيّ.
سيناريو الخديعة: “الدواء متوفر لدينا”
تبدأ الحكاية بصرخة استغاثة على جروبات “نواقص الأدوية”؛ يبحث أحدهم عن دواء منقذ للحياة، لتنهال عليه التعليقات كذئاب جائعة: “تواصل خاص.. الدواء موجود”. وبمجرد الدخول في نفق “الخاص” المظلم، تبدأ حفلة المساومة. أسعار فلكية تُفرض فرضاً، ولأن الغريق يتعلق بقشة، يقبل المريض السعر مهما علا، فالحياة لا تُقايض بالمال.
مصيدة “الدفع المسبق” والاستغلال الرقمي
ينتقل النصاب للمرحلة التالية ببراعة شيطانية؛ يدّعي الانتماء لشركة كبرى أو صيدلية ضخمة، ويطلب بيانات العنوان لتسجيل “الأوردر”. وهنا تكمن الطعنة الكبرى: “ادفع عبر المحفظة الإلكترونية أو تطبيق (إنستا باي) لضمان الحجز وتفعيل الفاتورة”. وما إن تتحول الأموال -التي ربما اقترضها أهل المريض أو باعوا من أجلها أثاث منازلهم- حتى يتحول “فاعل الخير” المزعوم إلى شبح، وينتهي المشهد بـ “حظر” (Block) يغتال آخر آمال الشفاء.
فنون التزوير: دينٌ كاذب وذكاء اصطناعي غادر
لم يتوقف الأمر عند سرقة المال، بل وصل الفُجر بهؤلاء إلى استخدام “الذكاء الاصطناعي” لتزوير صور علب الدواء وتواريخ الصلاحية لإحكام الخديعة. بل والأدهى، ارتداء ثوب الفضيلة والحديث بالدين وقضاء حوائج الناس، أو انتحال شخصيات طبيبات وصيادلة بأسماء وهمية لإضفاء صبغة “المهنية” على عملية النصب.
وكم من مريض شدّ الرحال لعناوين وهمية، ليجد نفسه أمام عقارات لا وجود لها، أو شوارع لم تُبنَ أصلاً، بينما يغلق النصاب هاتفه ليرحل بـ “تحويشة العمر” تاركاً خلفه قلوباً محطمة.
صرخة في وجه الضمير
إن هؤلاء المحتالين لا يأكلون في بطونهم إلا السحت؛ لا يسألون أنفسهم: من أين أتى هذا الأب بتلك النقود؟ هل باع ذهب زوجته؟ أم استدان من طوب الأرض ليحمي ابنه من الموت؟
إنها دعوة لكل مريض وذويه: لا تنساقوا وراء جروبات الوهم. الدواء يُطلب من الصيدليات الرسمية وتحت إشراف الرقابة الدوائية. والسكوت عن هؤلاء النصابين هو جريمة في حق المجتمع.
يا مافيا الدواء.. اعلموا أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأن كل قرش سرقتموه من يد مريض هو مسمار في نعش ضمائركم الميتة، وإن أفلتتكم يد القانون، فلن تفلتوا من عدالة السماء.








