اخبار مصراهم الاخبار
زيارة أنجلينا جولي لمعبر رفح إدارة سياسية محسوبة لا مصادفة عابرة

حجم الخط:
من يتابع المشهد السياسي المصري خلال هذه المرحلة يدرك أن ما يجري ليس تفاعلا انفعاليا مع تطورات طارئة ولا استجابة ظرفية لضغوط إعلامية أو سياسية. نحن أمام إدارة واعية للأزمة تقوم على بناء سردية متماسكة وتوظيف مدروس للأدوات السياسية والإعلامية والإنسانية في آن واحد.
زيارة أنجلينا جولي لمعبر رفح لا يمكن قراءتها كحدث إنساني منفصل أو حضور رمزي لنجمة عالمية. هذه الزيارة تمثل ذروة مسار سياسي طويل بدأ بخطوات محسوبة وتدرج وفق إيقاع دقيق حتى وصل إلى لحظة الاكتمال.
سبق ذلك حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العريش وتواصله المباشر مع المصابين ثم فتح المجال أمام الإعلام الدولي للاطلاع على المستشفيات الميدانية إضافة إلى المشاهد المتكررة لقوافل المساعدات المتكدسة على الجانب المصري من الحدود. هذه الوقائع لم تكن عشوائية بل مكونات أساسية في بناء رواية مصرية واضحة تقول للعالم إن الدولة المصرية فتحت حدودها وسخرت إمكاناتها وتعاملت مع الأزمة بمسؤولية كاملة بينما تعطلت عملية النفاذ الإنساني بفعل أطراف أخرى.
في هذا السياق جاءت زيارة جولي لتؤدي دورا مختلفا وأكثر تأثيرا. فهي لا تخاطب دوائر صنع القرار بقدر ما تخاطب الرأي العام الغربي مباشرة. لغة الصورة هنا تتفوق على البيانات الرسمية والرمز الإنساني يسبق الخطاب السياسي. وجود شخصية ذات مصداقية عالمية في موقع الحدث يمنح الموقف المصري شرعية شعبية دولية يصعب التشكيك فيها.
المكسب السياسي الأبرز لمصر تمثل في تفكيك خطاب الاتهام بالمشاركة في الحصار. فبعد هذا التراكم من الوقائع والمشاهد بات من الصعب تسويق أي سردية تحمل القاهرة مسؤولية الأزمة الإنسانية. الصورة أصبحت أبلغ من أي رد دبلوماسي.
إلى جانب ذلك أسهمت هذه التحركات في رفع منسوب الضغط الأخلاقي على الأطراف الداعمة لإسرائيل إذ إن حضور شخصيات سياسية وإنسانية بارزة يزيد كلفة أي تصعيد عسكري ويضع الحكومات الغربية أمام تساؤلات محرجة من قبل شعوبها.
الأهم من ذلك أن مصر قدمت نموذجا لدولة تدير أزمة إقليمية معقدة بأدوات شاملة. فهي لم تكتف بالبيانات والمواقف المعلنة بل جمعت بين التحرك الميداني والدبلوماسية الهادئة واستخدام القوة الناعمة في إطار رؤية واحدة متماسكة.
في المحصلة ما نشهده هو سيمفونية سياسية تدار بهدوء ودقة كل حركة فيها محسوبة وكل توقيت مقصود وكل رسالة موجهة بعناية. وزيارة أنجلينا جولي لمعبر رفح لم تكن سوى نغمة أخيرة في لحن مدروس رسخ الموقف المصري أمام الرأي العام الدولي وأعاد ترتيب معادلات الخطاب السياسي حول الأزمة.








