منوعات

“رائحةُ الرحيل المرّة.. هل قُطعت الأرحامُ في زمن التواصل؟”

حجم الخط:
نقف اليوم أمام مشهد تكرر كثيراً في مجتمعنا، مشهد تدمع له العين ويتحطم عنده القلب؛ حينما يطرق الجيران باب “شقة مغلقة” ليس للسؤال عن حال صاحبها، بل لأن “رائحة كريهة” قد فاحت منها. وحين يتدخل المعمل الجنائي، يُكتشف أن الجثة قد تحللت منذ أيام أو أسابيع، وصاحبها وحيد لا أنيس له.
أي عارٍ هذا الذي نعيشه؟
وكيف وصل بنا الحال أن يموت الأب أو الأم وحيدين، بينما أبناؤهم يملأون الدنيا ضجيجاً خلف شاشات الهواتف ومواقع التواصل؟
هل هكذا علمنا ديننا الحنيف؟
يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ.
لقد قرن الله توحيده بالإحسان للأهل، وجعل صلة الرحم معلقة بعرشه العظيم.
إننا في مأزق أخلاقي كبير حين يصبح الجفاء سمة العصر، وحين يُهاجر الأبناء بيوت أهلهم بحثاً عن “الاستقلال” المزعوم، تاركين خلفهم قلوباً تحترق شوقاً لسماع صوتهم أو رؤية وجوههم.
يُحكى عن أحد المسنين أنه كان يتفقد هاتفه يومياً وعلامات الحزن تكسو وجهه، فسأله أحدهم:
“يا حاج، هل تعطل هاتفك؟
“، فرد بمرارة: “لا، الهاتف يعمل، لكن الأبناء هم الذين تعطلت قلوبهم!”. مات هذا الرجل وحيداً، ووجدوا في سجل هاتفه عشرات المحاولات للاتصال بابنه المسافر، لكن “تم رفض المكالمة” كانت هي الرد الأخير.
إنها قصة تتكرر كل يوم بصور مختلفة، ما بين انشغال بالعمل، أو انفراد بالزوجة والأولاد، أو سفر طويل ينسي المرء جذوره.
يا كل من هجر أهله، يا كل من نسي أمه، يا كل من قطع رحمه:
تذكر أن “الموت لا يستأذن”، وأن الدنيا سلف ودين.
فكما تفعل اليوم بوالديك وبأهلك، سيفعل أبناؤك بك غداً.
إن الحياة قصيرة جداً، والآخرة باقية، وصلة الرحم ليست مجرد واجب اجتماعي، بل هي بركة في الرزق وطول في العمر، كما قال النبي ﷺ: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”.
دعونا نصلح ما أفسدته الدنيا، ولنبدأ صفحة جديدة من اليوم. تفقدوا أهالكم، اسألوا عن العم والخال، والجد والجدة، لا تدعوا الوحشة تقتلهم في بيوتهم.
صلة الرحم هي النور الذي يضيء لنا قبورنا، والرحمة التي نرجوها من الله.
بادروا قبل أن يفوت الأوان، وقبل أن تصبح الزيارة “عزاءً”، والكلمة “دمعة ندم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى