منوعات

حين تتحول الثقة إلى فخ.. حكاية قلبٍ طيبٍ دفع ثمن براءته غاليًا (الجزء الثاني )

حجم الخط:

حين تتحول الثقة إلى فخ.. حكاية قلبٍ طيبٍ دفع ثمن براءته غاليًا (الجزء الثاني )

عمر ماهر

 

لم يكن ذلك الرجل مجرد شاب انحرف قليلًا عن الطريق أو أخطأ في مرحلة من حياته ثم ضاع، بل كان حالة كاملة من الانهيار، نموذجًا حيًا لإنسان تآكلت داخله كل معاني الإنسانية حتى لم يبقَ منها سوى قشرة خارجية تُخدع بها العيون، بينما في الداخل عالم آخر لا يعرف النور، نشأ أو تشكّل — أيًا كانت بدايته — على اعتياد القبح، حتى صار القبح بالنسبة له أمرًا طبيعيًا لا يثير استغرابه ولا يؤنبه ضميره، إن كان لديه ضمير من الأساس، كان يعيش بلا بوصلة، بلا مرجعية، بلا خط أحمر، وكأن الحياة بالنسبة له مساحة مفتوحة يفعل فيها ما يشاء دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: إلى أين أنا ذاهب؟ أو ماذا أفعل بالآخرين الذين يمرون في طريقي؟ لم يكن يرى في الناس أرواحًا، بل أدوات، ولم يكن يرى في العلاقات مسؤولية، بل فرصة للسيطرة أو الاستهلاك، ولذلك كان وجهه الهادئ في الظاهر لا يعكس أبدًا ما يحمله في داخله من فوضى سوداء لا تهدأ.

 

كان الإدمان بالنسبة له ليس مجرد عادة سيئة، بل أسلوب حياة كامل، عالمًا يعيش فيه ويعود إليه مهما ابتعد، يتنفسه كما يتنفس الهواء، ويجد فيه ذاته التي ضاعت منه في أي لحظة حاول فيها أن يكون طبيعيًا، لم يكن يتعاطى ليهرب، بل لأنه لا يرى الحياة دون هذا الهروب المستمر، بل وتجاوز كونه ضحية لهذا الطريق ليصبح صانعًا له، تاجرًا ينشر السموم بين الناس دون أن يرف له جفن، كأن خراب الآخرين لا يعنيه، أو كأنه لم يعد قادرًا على رؤية العواقب أصلًا، فكل ما يهمه هو لحظته، مزاجه، رغبته، دون أي اعتبار لأي قيمة أو إنسان أو حتى نفسه، حتى أصبح محاطًا بأشخاص يشبهونه تمامًا، دائرة مغلقة من الانحراف، تُغذي بعضها البعض، وتُقنع نفسها أن ما تفعله هو الحياة الحقيقية، بينما كل ما حولهم ينهار بصمت.

 

ولم تكن حياته العاطفية أو الاجتماعية أقل ظلامًا، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لكل هذا الخراب، علاقات مشوهة، نساء عابرات بلا أي معنى، حضور دائم في أماكن لا تُعرف فيها الحدود، ولا تُحترم فيها القيم، كان يتنقل من علاقة لأخرى كما يتنقل من عادة لأخرى، بلا ارتباط، بلا التزام، بلا أدنى إحساس بالمسؤولية، يرى في نفسه حرية مطلقة، بينما هو في الحقيقة أسير لكل ما يُدمّره، ومع ذلك، لم يكن يرى نفسه كذلك، بل كان مقتنعًا — أو يُقنع نفسه — أنه يعيش كما يريد، وأن الآخرين هم من يقيدون أنفسهم بقواعد لا معنى لها، وهذه القناعة كانت أخطر ما فيه، لأنها جعلته يرفض أي فكرة للتغيير، ويرى النصح هجومًا، ويرى الخير ضعفًا، ويرى الاستقامة سذاجة لا تليق به.

 

وحين طُرح موضوع زواجه، لم يكن ذلك نابعًا من رغبة صادقة في بدء حياة جديدة، ولا من نية إصلاح أو استقرار، بل كان بالنسبة له مجرد خطوة إضافية في مسرحية طويلة اعتاد أن يلعب فيها أدوارًا لا تشبهه، وافق دون تردد، لا لأنه مستعد، بل لأنه لا يرى في الزواج مسؤولية، بل غطاء، صورة اجتماعية قد تفيده، أو تجربة جديدة لا أكثر، وربما لأنه تعوّد أن يأخذ دون أن يُسأل، وأن يدخل حياة الآخرين دون أن يُفكر ماذا سيترك فيها من أثر، كان يعلم — في قرارة نفسه — أنه لا يصلح، وأن ما يُقال عنه ليس حقيقيًا، لكنه لم يشعر بأي دافع ليصحح الصورة، لأن الكذب بالنسبة له لم يعد خطأ، بل وسيلة طبيعية للعيش.

 

دخل حياتها بنفس المنطق، بلا أي نية طيبة، بلا أي إحساس بأنها إنسانة لها حقوق ومشاعر، بل كأنها جزء من ممتلكاته الجديدة، شيء يمكنه تشكيله كما يريد، والسيطرة عليه كما يشاء، ومع أول لحظة شعر فيها بالأمان، سقط القناع تمامًا، وظهر وجهه الحقيقي بلا أي محاولة للتجميل، قسوة مباشرة، إهانة متكررة، تصرفات لا تمت للإنسانية بصلة، وكأن كل ما بداخله من ظلام وجد أخيرًا مكانًا يخرج فيه بلا مقاومة، فبدأ يُمارس سلطته عليها بطريقة قاسية، يقطع عنها النور وكأنه يُذكّرها أنه المتحكم الوحيد، يمنع عنها الطعام وكأنه يُعاقبها على وجودها، يتعامل معها وكأنها لا تملك حق الاعتراض، ولا حتى حق الشعور.

 

كان الغضب عنده ليس رد فعل، بل حالة دائمة، يعيش فيها ويُصدرها لكل من حوله، يثور بلا سبب، يصرخ دون مبرر، يُهين دون وعي، وكأن داخله ممتلئ بشيء مظلم لا يجد طريقًا للخروج إلا من خلال الأذى، ولم يكن يتوقف ليسأل نفسه إن كان ما يفعله خطأ، لأنه ببساطة لم يعد يرى الخطأ، ولم يعد يفرق بين الطبيعي والمشوه، بل أصبح يعتبر هذا هو الأسلوب الصحيح للحياة، وهذا هو أخطر ما فيه، أنه لم يكن يشعر، لم يكن يرى، لم يكن يعترف، وكأن كل ما تبقى فيه هو جسد يتحرك، وعقل يبرر، وروح غائبة تمامًا.

 

حتى في لحظات نادرة كانت تُعامله فيها باللين، بالصبر، بالدعاء، لم يكن يرى في ذلك فرصة ليُراجع نفسه، بل كان يراه ضعفًا يمكن استغلاله، مساحة أكبر للسيطرة، فيتمادى أكثر، يُقسي أكثر، يضغط أكثر، لأنه تعوّد أن يُفسر الخير على أنه قابلية للاستغلال، لا على أنه باب للنجاة، ولم يكن يدرك أنه في كل مرة يفعل ذلك، لا يُدمرها فقط، بل يُدمر ما تبقى من إنسانيته هو أيضًا، إن كان قد تبقى شيء أصلًا.

 

كان يكذب كما يتنفس، يسرق دون خوف، يخون دون تردد، يعيش وكأن العالم لن يُحاسبه، وكأن كل ما يفعله سيمر دون عواقب، وهذه الحالة من الانفصال عن الواقع جعلته خطرًا حقيقيًا، ليس فقط على نفسه، بل على كل من يقترب منه، لأنه لا يرى الحدود، ولا يعترف بها، ولا يتوقف عندها، بل يتجاوزها دائمًا، دون أن يلتفت خلفه ليرى كم الخراب الذي تركه.

 

ومع مرور الوقت، لم يعد مجرد زوج سيئ، بل أصبح كارثة متحركة، قوة هدم مستمرة، تُحطم كل ما هو جيد، تُطفئ كل نور، تُثقل كل روح، وكان وجوده في حياتها أشبه بعقوبة لم تخترها، لكنها وجدت نفسها بداخلها، تحاول أن تبقى، أن تتحمل، أن تفهم، بينما هو مستمر في نفس الطريق، بلا توقف، بلا ندم، بلا حتى إدراك لحجم الجريمة التي يعيشها كل يوم.

 

إنه ليس مجرد شخص، بل درس قاسٍ، تحذير حي من الثقة العمياء، من الوجوه التي تُزينها الكلمات، من الأشخاص الذين يُقدمون بصورة لا تشبههم، لأن خلف بعض الوجوه الهادئة، قد يختبئ خراب كامل، لا يُدركه أحد… إلا بعد فوات الأوان.

 

الست الشريرة لم تكن تلك المرأة من النوع الذي يُكشف بسهولة، لم تكن صاخبة الشر أو واضحة العداء، بل كانت أخطر من ذلك بكثير، كانت هادئة، محسوبة، تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، متى تبتسم ومتى تزرع السم في الكلام، شخصية لا تعتمد على القوة المباشرة، بل على الذكاء الملتوي، على التلاعب، على تحريك الآخرين دون أن يشعروا، وكأنها خُلقت لتكون خلف الكواليس، تُدير المشهد دون أن تظهر في الصورة، تراقب، تحلل، تنتظر اللحظة المناسبة، ثم تتدخل بدقة شديدة، تضع كلمة هنا، تزرع فكرة هناك، حتى يتحول كل شيء تدريجيًا دون أن يُدرك أحد أن المصدر الحقيقي لكل هذا الخراب هو هي، لم تكن تحتاج أن ترفع صوتها، لأن صوتها كان يصل بطرق أخرى، ولم تكن تحتاج أن تواجه، لأنها تُجيد اللعب من الخلف، حيث لا تُحاسب ولا تُكشف بسهولة.

 

كانت تحمل داخلها خليطًا معقدًا من الغيرة والحقد، غيرة ليست عابرة، بل غيرة مرضية، تشتعل داخلها كلما رأت خيرًا عند غيرها، كلما رأت حبًا صادقًا، أو طيبة فطرية، أو قبولًا من الناس، كانت ترى في الفتاة البسيطة كل ما تفتقده هي، النقاء الذي لم تعرفه، الحب الذي لم تنله، السمعة التي لم تستطع أن تبنيها، فبدلًا من أن تُراجع نفسها، أو تحاول أن تُصلح ما بداخلها، اختارت الطريق الأسهل والأكثر ظلامًا، أن تُطفئ هذا النور، أن تُشوه هذا الجمال، أن تُحطم هذه الصورة، لا لأنها مضطرة، بل لأنها لا تحتمل وجود ما يُذكرها بنقصها، فكان قرارها الصامت أن هذه الفتاة يجب أن تُكسر، بأي طريقة، بأي ثمن، دون أن تظهر هي في المشهد كمذنبة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى