منوعات

حكاية آية: “فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا”

منى منصور السيد

حجم الخط:
​في رحاب القرآن الكريم، ثمة آيات لا تكتفي بنقل التشريع فحسب، بل تخلد بين ثناياها قصصاً إنسانية وتغييرات مجتمعية جذرية، ومن بين هذه الآيات تبرز الآية السابعة والثلاثون من سورة الأحزاب، التي حملت الاسم الوحيد لصحابيٍّ في القرآن الكريم، لتروي لنا قصة “زيد” وتضع حداً لتقاليد جاهلية دامت قروناً.
​تبدأ الحكاية من بيت النبوة، حيث كان زيد بن حارثة رضي الله عنه يُعرف بـ “زيد بن محمد” بعد أن تبناه النبي ﷺ قبل البعثة، وقد زوّجه النبي ﷺ من ابنة عمته زينب بنت جحش، وهي سيدة من أشراف قريش، لكن الحياة الزوجية بينهما لم تستمر بسلام؛ إذ حدثت بين الزوجين خلافات بسبب تفاوت الطباع، فكان زيد يتردد على النبي ﷺ شاكياً ومستشيراً في أمر طلاقها، وهنا تظهر العظمة المحمدية، حيث كان النبي ﷺ يهدئ من روعه ويقول له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، رغم أن الوحي قد أعلمه مسبقاً بأن هذا الزواج سينتهي وأن الله سيزوجه من زينب لإبطال حكم التبني.
​وفي هذه اللحظة الفارقة، نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
​ولم تكن هذه الآية مجرد سرد لواقعة اجتماعية، بل كانت حجر الأساس لثلاثة أحكام كبرى؛ أولها إبطال التبني تماماً من الناحية الشرعية، فزيد ليس ابناً للنبي ﷺ بالدم، وبالتالي لا تسري عليه أحكام المحارم، وثانيها جواز زواج الرجل من زوجة متبناه بعد طلاقها، وهو ما كسر قيداً جاهلياً قديماً كان يحرّم ذلك، وثالثها التكريم الإلهي للسيدة زينب رضي الله عنها التي امتازت بأن عقد زواجها جاء من فوق سبع سماوات بنص القرآن.
​إن هذه الحكاية تحمل في طياتها دروساً عظيمة؛ أهمها عظمة التكريم الإلهي، فعندما امتثل زيد لأمر الله وفقد لقب “ابن محمد”، عوضه الله بذكر اسمه في القرآن ليكون هذا أعظم تخليد لذكراه إلى قيام الساعة. كما تظهر لنا الشفافية النبوية المطلقة، فلو كان النبي ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لمصلحته، لكتَمَ آيةً فيها عتابٌ له بعبارة “وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه”. إنها قصة تعلمنا أن تدابير الله فوق عادات البشر، وأن سعادة الإنسان تكمن في الاستسلام لأمر الخالق والرضا بقدره، ليوضح لنا الإسلام كيف يُبنى المجتمع على الحقائق لا الأوهام، وكيف يُكرم الله عباده الصابرين بكرامات تظل محفورة في صدر التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى