جنيف تختبر العالم والقاهرة تتحرك لحماية الإقليم من حافة الانفجار

حين يُفتح ملف إيران النووي في جنيف فإن الطاولة لا تضم وفودًا تفاوضية فقط بل تجلس عليها خرائط النفوذ وموازين الردع ومصير الاستقرار في الشرق الأوسط كله. هذه ليست جولة عابرة من المحادثات بل اختبار لإرادة المجتمع الدولي في تفضيل العقل على المغامرة.
تحرك القاهرة لمتابعة ما يجري بين طهران وواشنطن لم يكن إجراءً بروتوكوليًا بل رسالة سياسية محسوبة. اتصال وزير الخارجية مع عباس عراقجي ومع رافائيل جروسي بالتزامن مع مفاوضات جنيف يعكس إدراكًا مصريًا بأن أمن المنطقة لا يُترك رهينة احتمالات الغموض أو حسابات حافة الهاوية.
الملف النووي الإيراني لم يعد شأنًا تقنيًا يتعلق بنسبة تخصيب أو عدد أجهزة طرد مركزي. إنه عقدة توازنات استراتيجية تتداخل فيها معادلات الردع الإقليمي مع صراعات النفوذ الدولي. أي تعثر في المسار التفاوضي يفتح الباب أمام سباق تصعيد قد يمتد أثره من الخليج إلى شرق المتوسط.
مصر تدفع بوضوح نحو معادلة واحدة لا بديل عنها: تسوية تفاوضية شاملة تضمن عدم الانتشار وتحفظ سيادة الدول وتغلق الباب أمام الخيار العسكري. فالحروب في هذه المنطقة لا تبقى محدودة ولا تنتهي سريعًا. كل شرارة تتحول إلى حريق عابر للحدود.
القاهرة تقرأ المشهد ببراغماتية الدولة التي خبرت كلفة الفوضى. فهي تدرك أن استقرار الإقليم شرط لازم لأي تنمية حقيقية وأن أي مواجهة مفتوحة حول البرنامج النووي الإيراني ستعيد خلط الأوراق الأمنية والاقتصادية في لحظة يعاني فيها العالم أصلًا من اضطراب غير مسبوق.
في المقابل تدرك طهران وواشنطن أن العالم لم يعد يحتمل جبهة صراع جديدة. لذلك تبدو جنيف ساحة اختبار للنوايا قبل أن تكون منصة لصياغة نصوص. النجاح هناك لن يُحسب لطرف على حساب آخر بل سيُسجل لصالح الاستقرار الإقليمي برمته.
الدور المصري هنا ليس وساطة شكلية بل تموضع استراتيجي إلى جانب منطق الدولة الوطنية وسيادة القانون الدولي. الرسالة واضحة: لا حلول عسكرية ولا مقامرات صفرية. الطريق الوحيد هو التفاوض الجاد القادر على إنتاج ضمانات متبادلة.
في لحظات التوتر الكبرى تُقاس قيمة الدول بقدرتها على تبريد الجبهات لا إشعالها. وبينما تتجه الأنظار إلى جنيف تبقى القاهرة حاضرة في الخلفية تدفع نحو تسوية تعيد التوازن وتحمي المنطقة من انزلاق جديد إلى المجهول.








