الوجود العربي والإسلامي في العالم أمام التوغل الأمريكي والصهيوني بقلم : إيمان فهمي
ايمان فهمي

في عصر تتصارع فيه الدول للحفاظ على وجودها وحماية مصالحها على هذا الكوكب تتزايد حاجة الدول إلى الحفاظ على هويتها ومقدراتها الثقافية وموروثاتها التراثية..
حينها تصبح الهوية الثقافية للشعب سلاحا تحمي به الدول حدودها الفكرية من الذوبان في ثقافة عالمية لا تنتمي إلى ثقافة بعينها ولا تخدم إلا تيارات مفسدة في الأرض تتغذى على امتصاص ثروات الشعوب من خلال الغزو الفكري والترويج لثقافات الاستهلاك والحروب لتتحول من خلالها الدول التي لا تحمي حدودها الثقافية إلى أسواق عالمية لترويج السلع والبضائع وممرا اقتصاديا لبيع الأسلحة والمخدرات وتسويق التكنولوجيا.
ومن ثم نجد أن هناك اقتصادا عالميا تبنيه أنظمة عالمية وتقف ورائه دولا عظمى مبنا على استهلاك العقول وتوجيهها لخدمة مصالح كيانات عالمية لا تعترف بهوية غير المال ولا تلقي بالا بسيادة الدول فهي أنظمة لديها مواهب لا مثيل لها في تصفية هوية الشعوب واختراق حدود الدول ومحو سيادة الدول دون حرب ودماء.
إن هذا النوع من الحروب الباردة التي تسلط أسلحتها على هوية الشعوب قد نالت من استقلال دول وكيانات تمتعت بالقوة لفترات زمنية عبر التاريخ ومن بينها سيادة العراق الشقيق ودولة اليمن العربية والسودان وليبيا وفلسطين.
تلك الحروب الباردة بدأت بتشكيك الشعوب في رموزها والجر بها نحو منزلق الحروب الداخلية لتفكيك قوتها والنيل من استقلالها وإلهاء الشعوب عن قضيتها الكبرى وهو الحفاظ على استقلالها وحماية أراضيها والحفاظ على اتحادها وجذورها الثقافية القائمة على التسامح ونبذ الخلافات الداخلية.
وحتى تتخلص المنظمات الصهيونية عبر العالم من قوة الهوية العربية والإسلامية ما كان لديها حلا أفضل من ضرب هوية الشعوب العربية داخليا وتفكيك الكيان العربي والإسلامي إلى كيانات متنوعة متقاسمة تناظر بعضها بعضا وتحارب هذه تلك في خطة محبكة يقودها إعلام مأجور لزرع الفتنة وضرب الشعوب في قلب هويتها ووحدتها وإلهاء الشعوب عن عدوها الصهيوني الأكبر الذي يزحف بنفس المقدار الذي تتخلى فيه الشعوب عن اتحاد فصائلها ووحدة كلمتها.
إن القوة الإسرائيلية المزعومة في المنطقة العربية لم تأتي من إيمان الكيان الصهيوني بوجوده او عقيدته كما كان الحال في الهوية العربية والإسلامية ولكن الأمر يختلف تماما…فبينما قامت الهوية العربية والإسلامية على عقيدة ثابته لا تتغير وإيمان قوي لا يتزعزع وشريعة سمحاء تخدم مصالح الجميع قامت دولة الصهيونية على أرض محتلة بعقيدة محتل غاشم بنى أحلامه وطموحاته على ضعف جيرانه وفانتزع الأرض وغصب الشعوب وقتل الأطفال ورمل النساء وحارب كل معاني الإنسانية وسط صمت دولي على إرهاب غاشم وضعف عربي نتج عن انقسام الشعوب وانصرافها عن الحفاظ على عقيدتها الثقافية وموروثاتها الفكرية الدينية والقيمية.
إن بداية الضعف العربي وانهيار الموقف العربي أمام الطغيان الإسرائيلي والتدخل الأمريكي في المنطقة لم يكن وليد قوة الكيان الصهيوني او مشروعية الحقوق التي يسعى لاغتصابها وإنما هو نتاج طبيعي لتخلي الشعوب العربية عن هويتها ومقدراتها الثقافية..
وضرب الوحدة العربية والنسيج العربي من خلال اختلاق الأزمات وتصدع الكيان العربي وانقسام الدول داخليا إلى طوائف متناحرة من أجل خدمة أهداف عدوها الحقيقي إسرائيل …
فتحولت دولا ذات استقرار وسيادة إلى كيانات تحارب بعضها بعضا ..بدلا من ان توحد كلمتها وصفوفها في وجه عدوها الصهيوني وتتمسك بقوتها وتدفع باقتصادها إلى التقدم والتنمية لتحافظ على وجودها على هذا الكوكب وتعزز من مصالحها التنموية.
وعندما تنظر إلى الخريطة الجديدة للوطن العربي تتجه شمالا إلى دولة محتلة فقدت قضيتها التوجه العالمي لنصرتها عندما انقسمت إلى فصائل فلسطينية تتصارع على سلطة بلد محتل بدلا من أن توحد كلمتها وقوتها في وجه العدو المحتل …
ثم تتجه شرقا إلى بلد كان يمثل قوة عربية عظمى تهدد قوتها أمن إسرائيل وطموحها في التوسع وقد اغتالها التدخل الأمريكي وضربها في عقر هويتها وتماسكها بحرب إعلامية قادتها أمريكا واقنعت العالم أنها تحارب الإرهاب في العراق وتقلص تقدمها النووي للحفاظ على أمن المنطقة ..
فخارت قوة العراق وانقسمت داخليا واستجابت للغزو الفكري الغربي من خلال ميليشيات لزعزعة كيانها والقضاء على استقلال أراضيها ووحدة شعبها .
ذهبت تلك القوة العراقية التي تهدد إسرائيل حينما استجابت للتوغل الأمريكي عندما انقسمت داخليا إلى أكراد وشيعة وسنة واصبحت طوائف تحارب بعضها بعضا من أجل خدمة مصالح الكيان الصهيوني بتفيت القوى العظمى في المنطقة.
وتكرر نفس السيناريو في اليمن الشقيق وليبيا والسودان ..
وأصبحت خريطة الوطن العربي تحمل ملامح لثلاث أوجه مختلفة قائمة على قدرة تلك الدول على فهم التوجه الأمريكي والغربي في المنطقة..
فكانت أولها شعوب انهارت هويتها وثقافتها وتماسكها ووحدتها أمام الغزو الفكري الغربي وانقسمت لمليشيات وطوائف وفصائل تحارب بعضها البعض وتضعف استقلال الدولة وقضيتها الأساسية في الحفاظ على استقلالها ووحدة أراضيها وتنميتها.
وطائفة أخرى من الدول تحولت عن هويتها العربية وقضيتها القومية في فلسطين إلى كيانات داعمة للوجود الإسرائيلي وأصبحت شريكا قوميا للعدو الصهيوني والحليف الأمريكي الذي استغل أراضيها وثرواتها لخدمة مصالح الكيان الصهيوني وأصبح المال العربي هو الممول لحرب إنسانية تقودها إسرائيل ضد الوجود الفلسطيني على أرضه بوساطة أمريكية..
أما الطائفة الثالثة من الدول فهي دول أيقنت دروس التاريخ والصراع العربي الغربي جيدا وأدركت أن انهيار الدول يبدأ بانهيار هويتها وأن الغزو الفكري لا يقل خطورة عن الغزو الحربي ..فبدأت بتوعية شعوبها إلى نبذ الخلافات الطائفية جانبا ولم تسمح للمليشيات المرتزقة أن تضرب كيانها ..والتفت حول قيادتها من أجل الحفاظ على كيانها ووحدتها..
وكانت مصر المحروسة أرض الكنانة مثالا يدرس عالميا حول دولة تمسكت بهويتها ووحدتها واستقلال أراضيها ولم تستجيب للجماعات والميليشيات المرتزقة لزعزعة أمنها..فمصر كانت ومازالت تضع عدوها الأكبر نصب عينيها وأجهزتها المخبراتية لديها حساسية مستبقة لأي عملية تهدد من أمنها الفكري والثقافي. ويقف بها الأزهر الشريف كيانا عالميا يحفظ أرضها من الانحراف الفكري والانجراف نحو تيارات فكرية تستغل الجهل بالدين للقضاء على استقلال الشعوب وزرع الفتن.
إن الدولة المصرية قد تعرضت كغيرها من الدول لمحاولات مستميته لضرب هويتها وزعزعة أمنها ووحدتها ولكن الشعب المصري ضرب مثالا يدرس عالميا لشعب صمد طويلا على مر التاريخ لأي محاولات للنيل من وحدته واستقلال أرضه بوعي كبير لما يدور حوله في العالم من محاولات دامية للنيل من استقرار المنطقة لخدمة مصالح الوجود الغربي والكيان الصهيوني …
ومن هنا يجب أن تتخذ الدول العربية مصر نموذجا يحتذى به لدولة مرت بمنعطفات خطيرة دون التفريط في هويتها الثقافية وأمنها الفكري ولم يتنزلق نحو الصراعات الداخلية التي تقسم كيانها وتهدد وحدتها…
يجب أن تتحمل الدول العربية مسؤوليتها في الحفاظ على أمنها واستقلالها وتوحد صفوفها وتدرك السيناريو الغربي الصهيوني لزعزعة المنطقة والنيل من قوتها ووحدتها في مواجهة التطرف الصهيوني وأحلامه الاستيطانية في المنطقة.
ان وحدة الشعوب في مواجهة عدوها الحقيقي لم يعد خيارا كما كان في السابق او أملا لتحقيق الدعم للقضية الفلسطينية ..
فقد بات الأمر يمثل أمن دول المنطقة جميعها والحفاظ على وجودها ومصالحها بعد أن بلغت إسرائيل 🇮🇱 نشوتها الوجودية بدعم أمريكي عربي وصارت تهديدا حقيقيا لكل دول الجوار العربي بعد حربها على غزة وضربها لسوريا ودخولها الحرب مع إيران…
إن الخريطة العالمية تتغير وباتت كل دول العالم تدرك جيدا المغزى الحقيقي من الدعم الأمريكي للقضايا في منطقة الشرق الأوسط..
والسياسية الأمريكية لم تعد تتجمل عالميا بالحرب على الإرهاب فقد بات واضحا للجميع أن أمريكا تتبنى سياسات استيطانية وأن الاقتصاد الغربي قائم على استغلال الشعوب ونهب ثرواته واضعاف الدول من أجل الوجود الأمريكي والصهيوني في العالم.
إن الهوية الثقافية لم تعد خيارا ثانويا أو موضوعا شكليا بل أصبحت سلاحا عالميا لضرب الدول العربية والإسلامية وإضعافها للنيل من استقلالها واستغلال ثرواتها لدعم الوجود الصهيوني ..
ومن هنا يجب على المؤسسات والكيانات العربية والإسلامية حول العالم أن تتحد لمواجهة هذا التوغل الغاشم الذي لا يراعي مبادئ الإنسانية للحفاظ على وجودها على هذا الكوكب والحفاظ على دماء الشعوب العربية والإسلامية حول العالم من حرب يقودها الطمع الغربي للنيل من الدول التي لا تحمي حدودها الثقافية ولا تحافظ على كيانها السياسي والاقتصادي والثقافي.
حفظ الله مصر شعبا وأرضا وثقافة ووفق ولاة أمرها لما فيه الخير لها وحفظ الله الكيان العربي والإسلامي في العالم ..
ومن هذا المنبر الإعلامي أدعو كل الكيانات العربية والإسلامية حول العالم لاجتماع طارئ لبحث مستجدات الأمور في منطقة الشرق الأوسط وبحث كافة الحروب الباردة التي تمارس ضد الوجود الإسلامي والعربي حول العالم ..في خطوة مهمة تثبت للعالم ان القوة العربية والإسلامية اذا اتحدت كانت قادرة على ان تصوغ رؤية ساطعة وقوة لا يستهان بها في مواجهة المحاولات المستميته حول العالم للقضاء على الهوية الإسلامية ..حفاظا على حقوق الإنسان العربي والإسلامي حول العالم وإرساء لمبادئ الإنسانية التي تدعم وجود وطنا آمنا لكل شعوب الأرض وأطفالها.





