النخلة التي صمدت في وجه النار والريح.. حكاية فخر ورفق في زمن الانكسار

في مدينة الإسكندرية، حيث البحر يبتلع الأسرار ولا يبوح بها، ويقف شاهداً على صراعات البشر، عاشت بسنت حياة لم تكن تشبه النزهات على الكورنيش، بل كانت أشبه بأمواج عاتية؛ تارة تلطمها الصخور وتارة تعلو فوقها بشموخ. لم تكن بسنت مجرد فتاة، بل كانت “جيشاً من امرأة واحدة”، تخوض معاركها بقلب جسور وجسدٍ أضناه التعب. هذه القصة، المليئة بالثبات، تدعونا للتوقف ملياً والتأمل في حقيقة القوة التي نراها في ملامح من نحب.
بدأت حكايتها الحقيقية بكسرة كبرى، حيث رحل والدها، السند والعمود الفقري، في لحظة ظن الكثيرون أنها ستكون نهاية رحلتها. لكنها، في تلك اللحظة بالذات، اتخذت قراراً ألا تنحني أبدًا. وكان أول إعلان لهذا القرار، وتلك الوقفة التي أصبحت “المانشيت” الأول والأهم في قصة كفاحها، حين وقفت بصلابة في جلسة عرفية وسط 70 رجلاً، بصوت ثابت لا يرتجف، تدافع عن حقها ببطولة لم يعهدها المحيطون بها، مؤكدة أن عزة الله وقوته سكنت قلبها. إن هذا الكفاح، في الواقع، هو الدرس الأول لنا: أن القوة لا تُقاس بالكلمات، بل بالوقوف في وجه الإعصار.
لم يكن الليسانس مجرد شهادة جامعية بالنسبة لها، بل كان تحدياً انتزعته انتزاعاً وهي في الثلاثين من عمرها. بيدٍ تحمل الكتب وتخوض اختبارات الحياة الأكاديمية، وباليد الأخرى تمسح دموع ابنتيها، وتدبر بجهد مضنٍ مصاريف “الحضانات والإيجارات” والدراسة. لم يعرف أحد من المقربين، ولا حتى أصدقاؤها، حجم التضحيات؛ فقد كانت تحرم نفسها من أبسط المباهج لتصنع مستقبلاً للصغيرتين اللتين كانتا بؤرة عينها ومحور عالمها. وهنا، يتحول المقال لرسالة لكل “نخلة” تقاوم: تعبك مرئي، وكفاحك مقدس، لكن تذكري أن نفسك لها عليك حق.
وحين احترق بيتها وتحول كل ما تملكه إلى رماد، لم تتباك على الأطلال، بل وقفت أمام الحطام بقلب مؤمن ولسان يلهج بعبارة: “قدر الله وما شاء فعل”، وأعادته بجهدها وعرقها أفضل مما كان. ورغم هذا الثبات الظاهري، كانت بسنت “تطبطب على نفسها” في غرف المستشفيات المظلمة، تعاني من وعكات صحية لا يشعر بها أحد، ثم تقوم من جديد لتقهر “قسوة القريب وغريب” وتصدي لهجمات “أكلة الحقوق”. كانت ترى في نفسها نخلة؛ مهما زعزعتها الريح يميناً وشمالاً، يظل جذرها ضارباً في الأرض، ثابتاً لا ينكسر، مستمدة قوتها من رب العالمين مباشرة. إن هذا الثبات يعلمنا درساً عميقاً في الوجع: أن نراقب “الأقوياء” في حياتنا، والذين لا يشتكون، لأنهم غالباً هم الأكثر حاجة للـ “طبطبة” والدعم الصادق.
لكن في أيامها الأخيرة، بدأت الكلمات تفيض بمرارة لا تُحتمل. كتبت منشورها الأخير كأنه إعلان نصر معنوي أخير ووصية فخر لابنتيها وللعالم: “أنا حفضل فخوره جداً بنفسي مهما حصل.. وقصتي حفضل أحكيها وانتو تبقوا احكوا عني لولادي”. لقد كانت تشعر بأنها سدت ما عجز عنه الكثيرون، وأن عزتها لا تُقهر. ورغم هذا الثبات العظيم، يبدو أن القلب، الذي لم تهزمه الحرائق والديون والمحاكم والخذلان، قد استنزف طاقته في المعارك. اختارت بسنت أن تنهي رحلتها على الأرض، لا لأنها “انكسرت لعباد”، بل ربما لأن الروح قد أرهقها البحث عن الإنصاف، فاشتاقت لعدل ورحمة لا يوجد إلا عند “رب العباد”. مأساة بسنت هي، في النهاية، دعوة ملحة لـ “لين القلب”، لتراعي القلوب بعضها البعض، فخلف كل وجه صامد، حكاية وجع قد لا نحتملها. رحم الله بسنت، وجعل كفاحها شاهداً لها لا عليها.




