فن وثقافة
الشاعر والأديب د إيهاب البعبولي بين أصالة التراث وآفاق التجديد
دراسة تحليلية بقلم: د. سعد دسوقي

حجم الخط:
أولًا فلسفة التوليف بين القديم والحديث
تطرح المدرسة التوليفية الحديثة التي يدعو إليها الشاعر والأديب الدكتور إيهاب البعبولي رؤية إبداعية تسعى إلى الجمع بين أصالة الشعر العربي وآفاق الحداثة، من خلال الإفادة من جماليات القصيدة العمودية ومرونة قصيدة التفعيلة، بما يتيح للشاعر حرية أوسع في تشكيل تجربته، دون التفريط في الهوية اللغوية والفنية للشعر العربي. وتقوم هذه الرؤية على تجاوز التعارض بين القديم والحديث، وإقامة حوار خلاق بينهما، يجعل التراث منطلقًا للتجديد لا قيدًا عليه، ويمنح الحداثة جذورًا ثقافية وجمالية راسخة.
ثانيًا: الموسيقى الشعرية وتحرير البناء
تتجلى إحدى أهم ركائز المدرسة في التعامل مع الموسيقى الشعرية بوصفها عنصرًا متكاملًا يجمع بين الوزن والقافية من جهة، والإيقاع الداخلي الناتج عن تناغم الأصوات والألفاظ والتراكيب من جهة أخرى. فهي تستثمر الجرس الموسيقي للقصيدة العمودية، وتستفيد من مرونة التفعيلة وتنوع أطوال الأسطر الشعرية، بما يسمح بتعدد أشكال القافية والتحرر من التقسيم التقليدي إلى الصدر والعجز، شريطة أن يظل هذا التنوع محكومًا بوعي فني يحقق الانسجام بين الإيقاع والمعنى، ويمنع تحول التجريب إلى مجرد تغيير شكلي.
ثالثًا: الصورة الشعرية والتناص وتجديد اللغة
لا تقف التوليفية عند حدود البناء الموسيقي، بل تمتد إلى الصورة الشعرية، حيث تدعو إلى الابتكار والدهشة والابتعاد عن استنساخ الصور المألوفة. كما تمنح التناص أهمية خاصة من خلال استدعاء الرموز والشخصيات والأحداث التاريخية والدينية والفلسفية والاجتماعية، وإعادة توظيفها في سياقات معاصرة تنتج دلالات جديدة. وبهذا يصبح التراث مخزونًا حيًا قابلًا لإعادة التأويل، وتغدو القصيدة فضاءً تتفاعل فيه الذاكرة الثقافية مع أسئلة الإنسان الحديث.
وتؤكد المدرسة كذلك أهمية التعبير عن الواقع الاجتماعي ومفردات العصر بلغة تجمع بين الوضوح والإيحاء، وبين بساطة اللفظ وعمق الدلالة. فالقيمة الشعرية لا تتحقق بمجرد استخدام مفردات الحياة اليومية، وإنما بقدرة الشاعر على تشكيلها داخل السياق، وتحويلها إلى أدوات فنية تحمل أبعادًا شعورية وفكرية تتجاوز معناها المباشر.
رابعًا: الأصالة والحداثة والالتزام اللغوي
من الجوانب الجديرة بالتقدير في طرح الدكتور إيهاب البعبولي تأكيده احترام القصيدة العمودية بوصفها ركيزة أصيلة في تاريخ الشعر العربي، مع الانفتاح على الأشكال الحديثة، والالتزام بقواعد اللغة العربية. فالتجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع التراث أو الانفلات من الضوابط اللغوية، بل يقوم على المعرفة بأدوات التعبير والقدرة على توظيفها بصورة مبتكرة. وهنا تتجلى محاولة المدرسة التوفيق بين الحرية والانضباط، والأصالة والمعاصرة، بما يثري التجربة الشعرية ويفتح المجال أمام تعدد الرؤى والأشكال.
خامسًا: التأصيل النقدي وآفاق التطور
من الناحية النقدية، فإن ترسيخ هذه المدرسة يحتاج إلى مزيد من التأصيل النظري والتطبيق العملي، من خلال ضبط مصطلحاتها، وتحديد خصائصها الإيقاعية والبنائية، وتحليل نماذج شعرية تكشف عن خصوصيتها مقارنة بالقصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة. فاختلاف الشكل الكتابي وحده لا يكفي لإثبات هوية شعرية مستقلة، وإنما تتحدد القيمة في تماسك البناء، وأصالة الصورة، وفاعلية الموسيقى، وعمق الدلالة. ومن ثم تبرز الحاجة إلى نقد متخصص يستوعب طبيعة الأشكال الحديثة، ويقوّمها بمعايير فنية واضحة، دون تعصب للقوالب التقليدية أو تساهل في الحكم على جودة النصوص.
سادسًا: إشادة بالدكتور إيهاب البعبولي
يستحق الدكتور إيهاب البعبولي، الشاعر والأديب ورئيس الاتحاد الدولي للأدباء والشعراء العرب ومؤسس مؤسسة الشعراء والأدباء العرب وسفير الثقافة العربية، كل التقدير على جهده في طرح المدرسة التوليفية الحديثة، وسعيه إلى فتح آفاق للحوار بين التراث والتجديد. وتكمن أهمية هذا المشروع في دعوته إلى استثمار ثراء الموروث الشعري والانفتاح على إمكانات الحداثة، مع بقاء الحكم النهائي على نجاحه مرتبطًا بما يقدمه من نصوص متميزة وإضافات فنية قابلة للدراسة والتقويم.





