
تحت سقف مكتبة مصر الجديدة، وفي فضاء يفوح بعبق الروحانية الرمضانية، يأخذنا الفنان أحمد بيرو في رحلة بصرية تتجاوز حدود اللوحة التقليدية لتستقر في عمق الفلسفة الصوفية. معرضه الجديد “الحضرة” ليس مجرد عرض تشكيلي، بل هو “تجربة حال” وانعكاس لمخاض روحي بدأه في معرضه السابق “مولانا”، ليتجلى هنا في صورة أكثر نضجاً واتصالاً بالذات الإلهية والكون، حيث اعتمد في بنائه البصري على فلسفة “الدوران الرمزي” التي تحول الأجساد المولوية إلى خطوط انسيابية توحي بالحركة الأبدية، فيبدو الراقص في اللوحة ككوكب يسبح في فضاء لامتناهٍ يدور حول “الحق” الذي يمثل المركز الثابت والمنبع الأصيل.
تتجلى براعة بيرو في قدرته على نقل المشاهد من سكون القماش إلى ضجيج الصمت في حلقات الذكر، حيث تتماهى الحدود بين الراقص والفراغ المحيط به، مجسداً مفهوم “ذوبان الفرد في الجماعة” عبر تشابك الشخوص في وحدة عضوية تمثل “الحضرة” بمفهومها الشامل. ولم يكن اختيار الألوان عند الفنان عفوياً، بل جاء محملاً بدلالات أنطولوجية عميقة؛ فالأبيض الطاغي يبرز كرمز لـ “الكفن” والتجرد من المادة، بينما يحضر الأسود والرمادي كإشارة لعالم البرزخ، مما يخلق تضاداً بصرياً يبرز صراع النفس للارتقاء من الظلمة إلى الضياء، في حين تظهر “القلنسوة اللباد” كشاهد قبر يذكر بتمويت الشهوات لإحياء القلوب.
يتداخل في هذه اللوحات التناص البصري مع عناصر التراث الإسلامي ليعزز “الحالة” الروحية؛ إذ لم يكتفِ الفنان بالرسم، بل طعّم أعماله بـ الخط العربي، فجاءت أسماء الله الحسنى وعبارات الاستمداد مثل “مدد يا رب” كتمائم بصرية تمنح العمل قدسية خاصة، تتوازى مع الخطوط الرأسية للمآذن والقباب التي تتقاطع مع دوائر المولوية الأفقية لتخلق توازناً يربط الأرض بالسماء. وبجانب ذلك، استطاع الفنان “رسم الصوت” عبر تصوير الدفوف، مما يشعر المتلقي بوقع الإيقاع الصوفي المصاحب للابتهالات، لينقلنا ببراعة من “الشكل” إلى “المعنى”. إن معرض “الحضرة” هو دعوة مفتوحة لحضور القلب، نجح فيها أحمد بيرو في تحويل الفلكلور إلى “حالة وجد” وجودية، موثقاً تجربة فنية صهرت الشعر والموسيقى والتشكيل في بوتقة واحدة تليق بجلال اللحظة الصوفية.








