تقارير وتحقيقات
الآيفون بماء زمزم … حين تكشف الصحافة ثغرة وتعاقب الجالية بدل المهربين

حجم الخط:
في واحدة من أهم الضربات الصحفية المهنية خلال الفترة الأخيرة فجّر تحقيق صحفي جريء حمل عنوان الآيفون بماء زمزم مفاجأة مدوية كاشفًا عن ثغرة خطيرة في قرار حكومي سابق سمحت لمجموعة من التجار باستغلال المعتمرين لتهريب هواتف آيفون إلى الداخل دون سداد أي رسوم جمركية في التفاف واضح على حق الدولة وإهدار مباشر لمواردها
التحقيق الذي أنجزه الصحفي محمد سامي لم يكن مجرد سرد لواقعة بل كشف منظومة كاملة من الاستغلال المنظم حيث تحوّل بعض التجار إلى سماسرة خلف ستار الشعائر الدينية يمررون أجهزة باهظة الثمن تحت غطاء الإعفاءات مستغلين حسن نية المعتمرين وثغرات القرار القائم آنذاك عمل مهني متكامل الأركان يستحق أن يُدرّس كنموذج للتحقيق الصحفي الاستقصائي ويستحق جائزة التحقيق الصحفي الأفضل
حتى هذه اللحظة كانت القصة تسير في مسارها الطبيعي صحافة تكشف دولة تتحرك ثغرة تُغلق لكن المفارقة الكبرى بدأت عندما جاءت المعالجة الحكومية للثغرة بطريقة أشبه بمن يستخدم مطرقة ثقيلة لكسر نافذة صغيرة
بدلًا من حصر الإجراءات في مواجهة حالات التهريب التي فضحها التحقيق جاء القرار الجديد ليضع قيودًا تمس المصريين العاملين بالخارج أولئك الذين تحملوا مشقة الغربة وكانوا على مدار سنوات أحد أعمدة الاقتصاد الوطني عبر تحويلاتهم التي بلغت مليارات الدولارات وفق تقارير رسمية حكومية
هنا يصبح السؤال مشروعًا هل يُعقل أن يُساوى المهرّب بالمغترب الشريف هل يُعالج الخلل باستهداف من يلتزم بالقانون بدلًا من تضييق الخناق على من يتحايل عليه
المنطق الذي يحكم القرار الجديد يبدو أقرب إلى حكاية رجل ارتكب حادثًا بسيارته وعندما اكتشفوا أنه يحمل رخصة قيادة قرروا إغلاق قسم التراخيص بالكامل بدلًا من مراجعة شروط منح الرخصة وضبط المخالف معالجة تصيب المؤسسة بدل إصلاح الخلل وتعاقب الكل بدل محاسبة القلة
الخطورة هنا لا تتعلق فقط بهاتف محمول أو إعفاء جمركي بل برسالة تُرسل إلى ملايين المصريين بالخارج أن مساهمتكم محل تقدير في الخطابات الرسمية لكنكم أول من تُفرض عليه القيود عند أول أزمة
التحقيق الصحفي أدى دوره بكفاءة وكشف الثغرة وكان المنتظر أن تُغلق الثغرة بدقة جراح لا بقرار واسع يخلط بين المهرّب والمغترب وبين من يعتدي على حق الدولة ومن يساندها بتحويلاته وعرقه في الغربة
ما نحتاجه الآن ليس التراجع عن حماية حق الدولة فهذا حق أصيل لا نقاش فيه لكننا نحتاج قرارات أكثر اتزانًا تفرق بين من يستغل الثغرات ومن يدفع ثمن الغربة ليحافظ على أسرته وبلده
فالصحافة كشفت الخلل
والدولة مطالبة بإصلاحه
لكن العدالة تقتضي أن يُعاقَب من أخطأ لا من التزم








