شئون دولية

إسلام آباد تعيد رسم خرائط القوة فى الشرق الأوسط وتكشف تراجع رهانات نتنياهو

حجم الخط:

تشهد الساحة السياسية الإقليمية تحركا غير تقليدى يتجاوز حدود اللقاءات الدبلوماسية المعتادة حيث برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لتحولات عميقة تعيد تشكيل موازين القوى فى الشرق الأوسط بعيدا عن الإيقاع التقليدى الذى اعتادت واشنطن وتل أبيب فرضه على مسارات المنطقة

فى هذا السياق لم يكن اجتماع السعودية وتركيا ومصر وباكستان مجرد تنسيق عابر بل جاء كخطوة تحمل دلالات استراتيجية تشير إلى بداية مسار جديد يسعى لاحتواء التوترات وفرض معادلة مختلفة تقوم على تقليل التصعيد وفتح مسارات بديلة للحلول السياسية

وتكشف المعطيات عن تحول لافت فى الدور الباكستانى حيث بدأت إسلام آباد فى أداء وظيفة الوسيط غير المعلن بين واشنطن وطهران وهو دور يعكس ثقة متبادلة وقدرة على التحرك فى مساحات معقدة من التوازنات الدولية بما يفتح نافذة لإعادة تفعيل قنوات التفاوض فى أحد أخطر ملفات الصراع العالمى

وفى موازاة ذلك برزت مؤشرات تهدئة ميدانية مرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز حيث يُفهم من بعض الترتيبات الجديدة أنها تسهم في تخفيف حدة التوتر وتحد من احتمالات الانفجار وهو ما يحمل انعكاسات مباشرة على استقرار أسواق الطاقة العالمية

الأهم فى هذا المشهد أن دولا تعد تقليديا ضمن نطاق التحالف مع الولايات المتحدة بدأت تتحرك بصورة أكثر استقلالية وهو ما يعكس اتجاها نحو صياغة نظام إقليمي جديد يعتمد على تنسيق المصالح المشتركة بدلا من الارتباط الكامل بمظلة القوة الدولية التقليدية

هذا التحرك يعكس بوضوح ملامح ما يمكن وصفه بمحور الاستقرار حيث تتوزع الأدوار بين باكستان كوسيط قادر على الربط بين الأطراف والسعودية كمركز ثقل عربي وتركيا كبوابة استراتيجية داخل التوازنات الغربية ومصر كركيزة أساسية لضبط إيقاع المنطقة بينما تظل الصين حاضرة بشكل غير مباشر عبر دعم هادئ يعزز هذا المسار دون انخراط معلن

وبالنسبة لإسرائيل فإن هذا التحول يحمل تحديات معقدة إذ يحد من فرص تحويل الصراعات إلى مواجهات واسعة ويفتح المجال أمام تسويات سياسية تقلص من جدوى التصعيد كما يسحب تدريجيا الذرائع التي يمكن توظيفها لفرض وقائع جديدة على الأرض

وفي هذا الإطار تبدو رهانات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام اختبار صعب حيث لم تحقق الحرب أهدافها الحاسمة بل تحولت إلى حالة استنزاف ممتدة في وقت لم تنخرط فيه دول الخليج في مسار التصعيد بل اتجهت نحو لعب دور فاعل في التهدئة كما أن الولايات المتحدة نفسها تبدو في موقع الباحث عن مخرج يوازن بين مصالحها وتكلفة استمرار التوتر

ما يحدث الآن يعكس لحظة تحول تاريخية تتشكل فيها تحالفات جديدة وتُفتح قنوات بديلة ويبرز فيها دور القوى الإقليمية باعتبارها فاعلا رئيسيا في صناعة القرار بدلا من الاكتفاء بتلقيه

الخلاصة أن ما بدأ في إسلام آباد يتجاوز كونه تحركا سياسيا محدودا ليعبر عن بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط عنوانها إعادة توزيع النفوذ وتراجع احتكار القرار وظهور معادلات أكثر توازنا في إدارة الصراع والسلام على حد سواء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى