أحمد جمال… صوت الروح يعود ليكتب ليالي رمضان من جديد في خيمة وناسة بالشيخ زايد

في ليالي رمضان التي تتزيّن بالدفء والحنين، وتبحث فيها الأرواح عن صوت يشبهها، لا عن مجرد مطرب يمرّ مرور العابرين، يعود النجم أحمد جمال ليحتل المساحة التي يعرفها جيدًا؛ مساحة القلب قبل المسرح، ومساحة الإحساس قبل الأضواء، في واحدة من السهرات التي يُتوقّع أن تتحول إلى حالة فنية كاملة لا مجرد حفل غنائي عابر، وذلك ضمن فعاليات خيمة خيمة وناسة الرمضانية، المقامة داخل The Ark الشيخ زايد، حيث يلتقي الصوت المصري الأصيل بجمهور يبحث عن الطرب الحقيقي لا الضجيج.
الليلة هنا لا تُباع بتذكرة فقط، لكنها تُشترى بالحنين؛ فـ أحمد جمال ليس من هؤلاء الذين يصعدون المسرح ليؤدوا أغنيات محفوظة ويغادروا، بل هو من المدرسة التي تؤمن أن الغناء حكاية تُروى، وأن كل مقطع يحمل ذاكرة، وكل نغمة لها نبض، وكل كلمة يجب أن تُقال وكأنها المرة الأولى، ولذلك تحوّلت حفلاته في السنوات الأخيرة إلى طقس جماعي يشبه جلسات السمر القديمة، حين كان الناس يلتفون حول صوت واحد فينسون العالم.
الانفراد في هذه الليلة لا يأتي من اسم المكان فقط، ولا من ضخامة التنظيم، ولكن من فكرة اللقاء نفسها؛ أحمد جمال في رمضان تحديدًا يقدّم نسخته الأكثر صفاءً، وكأنه يخلع عن صوته صخب العام كله ويرتدي عباءة الروح، فيغني للحب بخجل، وللشجن بهدوء، وللوطن بحنان، دون استعراض أو مبالغة، وهذا ما جعل جمهوره يصفه دائمًا بأنه “صوت الناس”، المطرب الذي يشبه البيوت المصرية، بسيطًا في حضوره، عميقًا في أثره.
ومن يتأمل مسيرة أحمد جمال يدرك أن الرجل لم يصنع مكانته بالصدفة أو بضربة حظ، بل عبر رحلة طويلة من الاجتهاد والتراكم، بدأها من المسابقات الغنائية الكبرى ثم ترجم النجاح إلى مشروع فني حقيقي، قائم على اختيار الكلمات بعناية، والابتعاد عن الاستسهال، والتمسك بخيط رفيع يربط بين الطرب الكلاسيكي والذوق المعاصر، فلا هو استسلم لنوستالجيا الماضي بالكامل، ولا انجرّ خلف موجة الأغاني السريعة التي تُنسى قبل أن تنتهي.
ولهذا تحديدًا، تبدو خيمة وناسة هذا العام كأنها تراهن على الجودة لا الكثرة؛ فاختيار أحمد جمال لافتتاح موسم الحفلات الرمضانية يعكس فهمًا لطبيعة الجمهور الذي يبحث عن سهرة راقية، يجلس فيها مطمئنًا، يحتسي مشروبه، ويترك نفسه للصوت وهو يأخذه من أغنية إلى أخرى دون ضجيج أو صخب مبالغ فيه، وكأن الأمسية كلها مصممة لتكون مساحة آمنة للروح.
المثير أن أحمد جمال، رغم نجوميته، لا يزال يحتفظ بتلك العفوية التي تجعل الجمهور يشعر أنه يغني له شخصيًا، لا لحشد ضخم؛ يبتسم بين المقاطع، يحكي حكايات صغيرة عن الأغاني، يمازح الجمهور، يترك لهم الميكروفون أحيانًا، وكأنه يقول: “إحنا بنغني سوا مش أنا لوحدي”، وهذه التفاصيل البسيطة هي التي تصنع الفارق بين مطرب يؤدي واجبه، وفنان يصنع ذكرى.
ومن المتوقع أن يحمل الحفل باقة من أبرز أغنياته التي شكّلت وجدان جيل كامل، إلى جانب مفاجآت خاصة وتوزيعات موسيقية تناسب أجواء رمضان، حيث يميل أحمد جمال في مثل هذه السهرات إلى إبراز الآلات الشرقية الحية، العود والكمان والقانون، ليعود بالمستمع إلى زمن الطرب الأصيل، ولكن بروح معاصرة لا تشعرك بأنك تستمع إلى الماضي، بل إلى حاضر أكثر نضجًا.
كما أن اختيار موقع الحفل داخل الشيخ زايد يمنح الأمسية بُعدًا مختلفًا؛ فالمكان نفسه أصبح خلال السنوات الأخيرة مركزًا للفعاليات الراقية التي تستهدف جمهورًا يبحث عن تجربة كاملة، من التنظيم إلى الصوتيات إلى الأجواء البصرية، وهو ما ينسجم تمامًا مع شخصية أحمد جمال الفنية، التي تميل إلى الترتيب والهدوء والرقي بعيدًا عن الفوضى.
وفي قراءة أعمق، يمكن اعتبار هذه الليلة امتدادًا لصورة أحمد جمال كمطرب “المناسبات الخاصة”، ذاك الذي تختاره حين تريد سهرة لها معنى، لا مجرد موسيقى في الخلفية؛ مطرب يصلح للذكريات، للقاءات الأصدقاء، للقصص التي تُحكى بعد سنوات: “فاكرين ليلة أحمد جمال في رمضان؟”، وهذا النوع من الحفلات هو الذي يبقى، بينما تتلاشى غيره سريعًا.
ربما لهذا السبب تحديدًا يتجدد الرهان عليه عامًا بعد عام؛ لأن أحمد جمال لا يقدّم عرضًا استهلاكيًا، بل يبني علاقة طويلة الأمد مع جمهوره، علاقة قوامها الثقة: أنك حين تذهب إليه، ستعود محمّلًا بشيء ما… شعور، أو ذكرى، أو جملة من أغنية تظل تدندنها في طريق العودة.
في النهاية، يمكن القول إن ليلة أحمد جمال في خيمة وناسة ليست مجرد موعد على الأجندة الفنية، بل حدث ينتظره عشاق الطرب كطقس رمضاني ثابت، يشبه الفانوس واللمة وصوت المدفع عند الإفطار؛ جزء من مزاج الشهر نفسه، وصورة من صور الفرح الهادئ الذي نبحث عنه وسط زحام الحياة. وبين أضواء المسرح الخافتة، وصوت الكمان، وتصفيق الجمهور، سيصعد أحمد جمال كعادته، لا كنجم متعالٍ، بل كصديق قديم يعود ليغني لنا… وكأن الأغنية خُلقت خصيصًا لنا وحدنا.





