منوعات

نـسيم الخـلود …

حجم الخط:

لست أدرى ما السر وراء التعلق القلبيّ دائماً باللون الأخضر والماء …؟
ما السبب وراء حب الناس لأحضان الطبيعة ومظاهرها الهادئة …؟
لماذا لا نجد سعادتنا وراحتنا النفسية في الصحاري، أو في أعالي الجبال، أو وسط الوديان، أو حتى بين كتل الثلوج وألواح الجليد مثلاً؟
لماذا يرتبط الأمر دوماً باللون الأخضر والماء على اختلاف اشكال الطبيعة فيها ؟.
من منا لا يعشق رؤية الشلالات ..
الأغادير..
الينابيع..
العيون ..
البحار ..
الحدائق ..
وكل أشكال الجمال الطبيعي الأخرى مع علمنا التام والمؤكد ان جعبة الطبيعة فيها ما فيها من الصور الساحرة الأخرى مما لا يستطيع المرء حصره أو تسجيله.
هل لأن الطبيعة هي أم الفطرة …؟
أم أنه الحنين لأصل الخلق: الطين والماء …؟
أم أن الأمر لا يعدو كونه رسم لخيال الإنسان عن مفهوم السعادة والحياه الهانئة والبحث عن الذات في جو آمن مستقر يحيط به الحب والجمال والرومانسية من كل جانب وبشتى الطرق والهيئات التي ابدعها الخالق عز وجل .
ولا ينكر ذا لُب وفطنه ان مظاهر الجمال في الطبيعة المرتبطة باللون الأخضر والماء كانت ومازالت تلهب خيال الأدباء والشعراء وكل كاتب يبغى صفاء الذهن ونقاء الفكرة وسيطرة الشعور بالخلوة التي تبعث في عقله وقلمه غزير الأفكار وبديع التعبيرات وجمال الصور فيكتب أو يرسم أو يصوغ الشعر الذى يجد فيه الملتقى متعه فكريه وقلبيه لا تدانيها متعة.
النبات واللون الأخضر..
الماء وسحره الذي لا يقاوم..
ثم الوجه الحسن لمن يعتبرونه أحد ثلاثي السعادة الدنيوية ومعهم يأتي النسيم العليل والذى لا يُعتبر عليلاً إلا في وجود الأول والثاني.
ويأتي اللون الأخضر كأحد أهم الألوان في عالمنا فهو مرتبط بأحاسيس ومشاعر البشر أيـّما ارتباط.. فنادراً ما تجد طريقاً أو شارعاً أو حتى منزل يخلو منه أبداً.. حتى طلاء الأبواب والنوافذ يغلب عليه هذا اللون المميز.
وكما يقول الأطباء النفسيون وخبراء الألوان أن اللون الأخضر يبعث على الراحة والاطمئنان النفسي والإحساس بالتميز والدفء الأسرى والعائلي وارتباط العلاقات الاجتماعية الأخرى كما يدل على استقرارها وثباتها.
والماء سائل الحياه الغالي والذى لا يستطيع مخلوق واحد الحياه بدونه كما لا غنى عن استخداماته الأخرى في النظـافة والطهارة وهو أمر غني عن التعريف .
وارتباط الماء باللون الأخضر في وجود الهواء بالطبع هو ما يؤدى الى احساسنا بالنسيم ، لاسيما وان الهواء الذى يخرج من أوراق النبات في عملية التنفس هو الأكسجين النقي كما انه يمتص الغازات الأخرى وأهمها ثاني أكسيد الكربون كما يعلم ذلك كل دارسي العلوم .
وبذلك تكتمل اللوح الفنية الرائعة للطبيعة..
ماءٌ صافي..
لونٌ أخضر بهيج ..
هواءٌ نقي ..
شمسٌ دافئة .
وبذا يكون النسيم والنسمات هو هدية هذا الارتباط وثمرته الأساسية وهو الأمر الذى تكفل به خالق الطبيعة وموجدها سبحانه وتعالى.
وكثمرة أخرى من ثمرات ارتباط النبات والماء والنسيم تجد أهل الريف هم أكثر صحه وعافيه من أهل المدن نفسياً وعضوياً .. بل لا أكون مبالغاً لو قلت إن الطبيعة الخضراء تورث بعض الصفات النبيلة والمحمودة في سلوك أفرادها فهم مشهورون بالشهامة، النخوة، الطيبة، التسامح في تعاملاتهم مع الآخرين والغرباء وهذا واضح جلي عند أهل الصعيد والدلتا.
والطبيعة الساحلية التي يغلب على قاطنيها الرومانسية وخفة الظل والرقة والدعة وحلو الكلام وهو ظاهر بين على أهل الإسكندرية مثلاً .
والبدو الذين تورث الصحراء فيهم بعض الغلظة والفظاظة في تعاملهم المباشر مع أهل الحضر والمدنية لهم أوضح وأدل.
أما سكان المدن فبالرغم من عالم المدنية والحياه الصاخبة والإيقاع السريع للحياة هناك فمع غياب أصل الطبيعة : الماء والنبات يصاب أكثرهم بالتوتر والقلق والاضطراب النفسي والأمراض العضوية في ظل تعرضهم شبه الدائم للتلوث والضوضاء الذى أصبح آفة من آفات المدينة ؛ ولذا يهرع سكانها للشواطئ والمنتزهات طلباً للراحة والترفيه عن النفس متى وجدوا لذلك سبيلا.
ترى ..ألم تشعر بالهدوء النفسي والراحة البدنية وتهدأ صراعات نفسك وتسكن جراحات مشاعرك لمجرد سماع كلمة النسيم ؟.
تلك الكلمة التي تحمل في حد ذاتها الخيال كل الخيال.. فما بالك بالعيش في أجواء النسيم!
ما بالك بالحياة على شاطئ البحر بمياهه الزرقاء ، وأمواجه الرقراقة المتهادية، تظلك سماءٌ صافيه ، ويحيط بك بستان مزدان بكل أصناف وألوان الزهور متناغمة الألوان ، فيـّاحة الرائحة، لطيفة المنظر ، تنظر للأفق البعيد وتتأمل ذكرياتك الأثيرة، لحظاتك الجميلة ، محطات حياتك المؤثرة ؟.
وكظاهرة فردية تحدث للبعض ، يسبح عقله ضد هذا التيار تماماً ، فيتذكر آلامه واحزانه ، وكـأن حياته تحولت لفيلم سينمائي يُعرض على صفحة بيضاء كبيرة ، يرى فيها الماضي بحلوه ومره ، خيره وشره ، حتى اللحظات الصغيرة التي قضاها في مداعبة الأطفال واللهو معهم.
أدق التفاصيل تنساب أمام عينيه ، قد يقطع عليه إحداها سروره بأجواء النسيم وتكسر حاجز الألم والمعاناة في قلبه مره أخرى ، لتبرز مُطلةً برأسها ، مُفسدةً هذا الجو الشاعري الذى يحتويه ويدغدغ احساسه ويسرى في أوصاله.
وبمجرد محادثة شخص آخر في الجوار ، ففي لمح البصر ينقطع حبل شروده وأحزانه ، ويطرد هذه الأفكار الفوضوية بعيداً ويهيم في بحر الأفق ، يسبح في دنياه الخاصة ، عالمه اللامحدود ، وتعلو هامة الايمان في قلبه فيتذكر فضل الله عليه وكيف وفقه في الانتقال من حسن الى أحسن حتى وصل لهذا العمر في بحر الزمن والحياة.
غير أن تعلقنا بالنسيم والأجواء المزدانة من حولنا من زهور وورود وجمال طبيعي خلاب والتي يضيف وجودها لحياتنا بهجة ومتعة وتجعل للحياة في ظلها معنى وعنواناً وصورة تعبيرية رائقة ، ما هي إلا تهيئه لعقل الإنسان سمواً بخياله ، ورقياً بمدارك تفكيره ، وابتعاثاً لمواطن الإحساس بالجمال وملكته داخل عقله ووجدانه حتى يبلغ بهذا الإحساس درجة الملهوف المتمني ، الراغب الحريص لما أعده الله له في الآخرة ، هذه هي كبد حقيقة النسيم وقلبها الدافئ.
فبهذا يعيش ، ولذلك يعمل..
ويعد العدة للانتقال الى جو النسيم الحقيقي ..
نسيم الجنة ، وشتان الفارق وقتها.
وعند نسيم الجنة يتوقف القلم، وتخلو الأوراق من كلماتها، وتصمت الألسنة، وتشرد العيون، ويهيم القلب، ويحار العقل في الوصف والتعبير..
من المؤكد أن الذى يشم نسيم الجنة يستحق منا التهنئة ..
يستحقها من كل انسان عاش على ارض الدنيا حتى ولو تمتع بكل خيراتها ورفل في طيبها وملذاتها ..
يستحق ان نقول له هنيئاً لك أيها الفـــائز ، عملت لها ، فعشت فيها.
كان لك الحق، كل الحق في حب النســــيم..
في عشقـه..
في الــذوب فيه..
هنيئــاً لك وسروراً..
بنـسيم الخـلود..
في أرض الخـلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى