مقالات
عبدالحى عطوان يكتب : من شاشة مضيئة… إلى زنزانة

حجم الخط:
كان الليل صديقَه الأول.غرفته الضيقة، بضوءها الأصفر الخافت، وجدرانها التي تحفظ أنفاسه، الالوان الباهتة ، الساعة المعلقة ذات البندول الطويل ودقاتها التى تخترق سكون المكان، الكرسي الخشبي الذى يئن تحته، هاتفة المحمول الذى يلمع كعين شيطان، وصمت ثقيل لا يقطعه سوى نقرات أصابعه المرتعشة.التى صارت مسرحًا للعبة لم يكن يعرف أنها ستأكله حيًّا.
في البداية، كان الأمر خفيفًا، الحكايات التى تتردد عن ثراء الشباب من وراء تلك الشاشة،
مجرد فضول اقتاده إلى الدخول إليها ، قال لنفسه ولتكن تجربة مرة واحدة ،ضحكة قصيرة، قلب يخفق، وأرقام ترقص على الشاشة.لم يصدق نفسه حينما أعلنت ربحه .شعر أن الدنيا انحنت له قليلًا، وأن الحظ أخيرًا نطق باسمه والثراء قادم لا محالة،
خرج ليلتها إلى الشارع مزهوا مغتالًا، خطواته تسابق بعضها البعض،الهواء بارد، والمصابيح الصفراء تمتد كطريق وهمي للنجاة.قال لنفسه: أنا أذكى من صانعيها فقد ربحت وتلك هى البداية ، ولم يكن يدري أن الإدمان لا يدخل صاخبًا، بل يخلع حذاءه عند الباب.
تكررت الليالي،وصار الليل أطول،والرهان أكبر،فقد انزلقت قدماه فى الخسارة وفى كل مرة كان يظن التعويض قادم ومثلما ربح فى مرته الأولى يستطيع النيل من الشخص الساكن خلف الشاشة والذى يتلاعب بالأرقام
تراكمت الارقام عليه حتى باع سيارته الأولى…تلك التي كان يلمس مقودها كأنها حلم متجسد.وقف أمامها قبل تسليمها، مسح غبارها بيده،وقال كذبته المفضلة: خطوة مؤقتة يمكننى التعويض ،ولكن الخسارة كانت جنيناً ينمو يوماً بعد يوم، حتى أغلقت عليه كل الابواب .
كانت ليلته تلك مختلفة دقات البندول المعلق مطرقة فوق رأسه فلم يقترب النعاس من عينيه فكلما حاول أن يغفوا كانت الهواجس تطارده فيستيفظ منزعجًا دقائق قليلة حتى يتحدث إليه المارد القاطن باعماقه عن التعويض ظل يتابع أنفاسه حتى كان الصباح ،حمل على أعناقه بعض متعلقاته الثمينة ليبيعها ويكمل انزلاق أقدامه ،ومع كل بيع، كان جزء منه يُسحب بلا ألم ظاهر.
فقد نفذ كل شيء، حتى مدّ يده واستدان، ووقّع على إيصالات الإستدانه بابتسامه وهو يثقب القارب بيديه لم يدرك أنه الإدمان، فلم يتخيل أن تخونه قواه ويصبح بتلك الهشاشة أمام تلك الصور والرسومات والأرقام .
ظل هارباً من المواجهة، يعود إلى البيت متأخرًا،يتجنب عيني أمه،يخشى صوت والده،ويمشي على أطراف قدميه كأنه ضيف ثقيل على بيته، نفس الغرفة التي كانت ملجأه صارت زنزانة مؤقتة.
الهاتف لم يعد يلمع… صار يهدد.
الأرقام لم تعد ترقص… صارت تُدين.
في صباح رمادي، وامام قسم الشرطة،
وجه شاحب، كتفان منكسرتان، وجيب ممتلئ بأرقام القضايا …وأحلام بلا توقيع. لم يعد يشبه صورته في البطاقة.وقف قليلاً
تذكّر أول مرة أمسك فيها مفتاح سيارته،
أول مرة حلم بمستقبل نظيف،
كانت ليلته الاولى داخل زنزانته ومنذ اغلق عليه الباب ،جلس على الأرض الباردة، ظهره للحائط،السقفٌ المنخفض كأنه يضغط على صدره.مدّ يده في الفراغ يبحث عن هاتفٍ لن يرن،عن رقمٍ لن يعوّض،عن فرصةٍ لن تعود.
تذكّر أمه وهي تنتظر صوته عند الباب،
ووالده وهو يراهن على مستقبله
تذكّر البيت، والشارع، والمصابيح الصفراء…
لكن كل شيء بدا بعيدًا،
كحياةٍ تخص شخصًا آخر.
هنا فقط أدرك الحقيقة العارية:
فقد باع نفسه قطعةً قطعة،
حتى لم يتبقَّ منه ما يُباع.
بينما في الخارج،كانت اللعبة ما زالت تعمل،
تبتلع شابًا جديدًا،وتعد آخر بالثراء.
أما هو،فكان اسمه قد كتب في دفتر القضايا والسجون،وحين أطفأ الحارس النور،بقي الضوء الوحيد في رأسه والمارد داخله يردد لا تعويض فقد ضاع كل شئ …








